السبت 26 سبتمبر 2026 م - 14 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

تحديات الكتابة وأعباؤها

تحديات الكتابة وأعباؤها
السبت - 26 سبتمبر 2026 02:55 م

سعود بن علي الحارثي

مهارة أو احتراف أو امتهان الكتابة، وإمساك القلم، وملء الصَّفحات، وتحمُّل عبئها بما تتطلبه من براعة وإبداع ومكنات وتفوُّق، ليس بالأمر الهيِّن، وليس بالسَّهل واليسير كما يعتقد البعض من الناس. والاستمرار في كتابة المقال الدَّوْري اليومي أو الأسبوعي، وفي أكثر من صحيفة أحيانًا، وتنوُّع مجالاته، تصحبه معيقات وتحدِّيات وصعوبات جمَّة، وتناول قضايا وموضوعات المشهد الوطني تترتب عليها مسؤوليَّات كبيرة ولها انعكاسات وتبعات واسعة، ليس أقلّها ممارسة الكثير من الضغوطات على الكاتب، ومحاولة استهدافه وتقييده بشتَّى الوسائل وتشويه مقاصده وغاياته، ومحاولة اصطياد وتضخيم أيِّ خطأ يقع فيه أو حتى تلبيسه ما هو ليس بخطأ؛ للإيقاع به والنَّيْل منه على ما كشفت أو كشف عنه مقاله من أخطاء تراكمت... أو تناوله ـ أي المقال ـ نقدًا لمسؤول أو فئة أو شخصيَّة اعتباريَّة أو مشروع أثبت فشله... أو هجومًا على فكرٍ وتوجُّهٍ ورأيٍ، يعمل على فرض وتمكين أيديولوجيَّاته ووصايته بالقوَّة والضغط والتنمُّر بحجَّة أنَّه الصَّائب والسَّليم والصَّحيح والحلال... فالسِّياسي يحارب المقال الذي يستهدفه، والمواطن الذي تعنيه قضيَّة ما، وله مصالح حول موضوع من المواضيع، يمضي قدمًا في مهاجمة الكاتب وتحميله المسؤوليَّة واتِّهامه بالمحاباة والتزلُّف والتملُّق، إذا لم يخصِّص مقالًا أو أكثر لموضوعه وتناول قضيَّته، أو أنَّه تجاهل واقعه وكتَبَ عكس ما يأمله ويتطلع إليه، وخالف ما يُحقق رغباته. والعلامة التجاريَّة تُهدِّد الصحيفة بإلغاء عقدها الترويجي، إذا وجدت في مقال ما، تعرُّضًا ونقدًا يضرُّ مصالحها. وأذكُر أنِّي أشرتُ إلى إحدى الشركات العالميَّة بالاسم، أنَّها تحارب الأعمال المتوسطة والصغيرة، وتضرُّ بالمؤسَّسات والمشاريع الوطنيَّة، فتمَّ حذف اسم الشركة من المقال، واستُبدل به «إحدى الشركات».. فجميع هذه المجموعات والشرائح والذين لهم مصالح، يجتهدون ويعملون ويبذلون ما في وسعهم لتوجيه الكاتب والتأثير فيه، ومحاولة قيادته لتناول وتخصيص مقاله، بما يُناسب رغباتهم ومصالحهم، ويخدم منافعهم ويدافع عن وجهة نظرهم ويُعزِّز مكاسبهم. من ضِمن التحدِّيات التي تواجِه الكاتب كذلك، ما يحتاج إليه المقال من خلفيَّات وإحاطة شاملة بموضوعه، وإلمام متكامل بالمعلومات والبيانات ذات العلاقة، وقراءة واعية للأرقام والمؤشِّرات، ورؤية تستند إلى موضوعيَّة ودقَّة وإنصاف، وجُرأة في الطَّرح وشموليَّة في التناول لا يشوبهما هوى وتحزُّب وتعصُّب وانحياز لجانب وطرف على آخر... وإعداد المقال يتطلب مراجعات عدَّة وضبطًا في الصياغة، وتهذيبًا وإجادة في اختيار الكلمات، وانتقاء بارعًا للعنوان لِيكونَ دقيقًا في التعريف بمحتواه وموضوعه وما يعرض له... وبالعموم فإنَّ الكاتب الذي قَبِلَ التحدِّي وواجَهَ تبعات الكتابة وضريبتها، ومارَسَ مسؤوليَّته في تناول وبحث والكتابة عن عشرات المواضيع والملفات والقضايا الحسَّاسة والمهمَّة، السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، والثقافيَّة والفكريَّة، والتي نستطيع أن نشبِّهَ بعضها بالتحقيقات الرَّصينة والشَّاملة، يفرض عليه الواجب وعبء المِهنة، أن يكونَ قارئًا نهمًا، مطَّلعًا على دقائق الأمور والمستجدَّات والتطوُّرات والتحوُّلات من حوله، داخل مُجتمعه ووطنه الكبير والعالم، مستمعًا للحوارات والمناقشات والتصريحات، وكل ذلك يُشكِّل حملًا ثقيلًا، وعملًا مضنيًا، وتفكيرًا لصيقًا بعقل الكاتب مصاحبًا له أينما حلَّ وارتحل، ويحتاج إلى مزاج رائق ونَفَس طويل وإلى إجادة وبراعة، وقدرة على تقبُّل النَّقد. وما زلتُ أذكُر الكثير من المواقف والأحداث التي ارتبطت ونتجت عن كتابة ونشر مقالي الأسبوعي ـ على مدى أكثر من ثلاثة عقود ـ والتي تعضد وتُعزِّز وتسند وتُؤكِّد على محتوى ما أورده هذا المقال، ممَّا لا يسع المجال لعرضها... وفي واحد من هذه الأمثلة، فتح العنوان الخاص بـ«المواطن، الخدمة، المساءلة»، الذي نشرته هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن) قَبْل سنوات، الباب أمام عدد من الأشخاص، فشجَّعهم ورفَعَ من سقف آمالهم وحماستهم على قدرة ومكنة كاتبه من تناول وعرض مشاكلهم وبسط الظروف والمواقف التي ألمَّت بهم، ونجاحه في إيصالها إلى المعنيين والمسؤولين في جهات الاختصاص، وهو ما سيؤدي إلى معالجة وحلحلة قضاياهم وموضوعاتهم ومشاكلهم التي أودَتْ بها البيروقراطيَّة وتعقيد الإجراءات وفقًا لتقييمهم. أحد هؤلاء المواطنين، اتَّصل بي من ولاية البريمي، وكان يناديني بـ«يا ولدي أنا كبير في السِّن ومريض ولا حِمل لي في التردُّد المستمر على مسقط والكلُّ يتنصَّل ويتهرَّب ويُلقي بي على جهة ومسؤول وموظف آخر...»، هذا المواطن تعرَّضت ابنته ـ كما يقول ـ لحادث ألحق بجسدها أضرارًا بليغة، فاضطرَّ إلى مرافقتها للعلاج إلى جمهوريَّة الهند. ولأنَّ المحكمة حكمت لصالحه، وألزمت شركة التأمين بتغطية العلاج، فقد تطلب الأمر تقديم وثيقة من المستشفى الذي أجرى لابنته العمليَّات، لكن المُشْكلة، أنَّ الوثائق التي أحضرها ـ رغم أنَّها موثَّقة ومختومة ـ رفضتها وزارة الصحَّة، إن لم يكن معترفًا بها ومقرَّة من وزارة الخارجيَّة، التي كذلك رفَضَتها بسبب خلوِّها من ختمِ السفارة الهنديَّة التي ردَّت بأنَّ توثيق المستشفى كافٍ ويفي بالغرض المطلوب، وهكذا ظلَّ هذا المواطن في دوَّامة من الفراغ، لم يستطع الخروج منه. ولم أتجاوب ـ للأسف الشَّديد مع طلبه ـ ولم أكن على مستوى أمله بي وطموحه العالي؛ لأنَّني لم أكن مستعدًّا لتناول قضايا من هذا النَّوع في مقالاتي، التي تتَّسم بالخصوصيَّة وترتبط بفرد واحد، ويصعب التحقق من مصداقيَّتها بدون الرجوع وطرح الأسئلة على كل هذه الجهات والمسؤولين، بمعنى أنَّها تتطلب نوعًا من التحقيق الصحفي المتخصص... فيما طبيعة المواضيع التي أتناولها تأخذ الصبغة العامَّة، التي أسندها أحيانًا بمواقف ونماذج وأمثلة للتعزيز والتأكيد لا أكثر من ذلك. وفي كتابي «صفحات من الشورى... ذكريات ثلاثة عقود»، خصَّصتُ محورًا خاصًّا وعرضتُ نماذج من مقالات لي، أحدَثتْ غضبًا واسعًا ولم يَسْلم كاتبها من الاتِّهامات والإساءة لشخصه... ويبقى هَمُّ الكتابة وتبعاتها حاضرة بصفة دائمة ومستمرَّة ونامية.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]