السبت 26 سبتمبر 2026 م - 14 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : المجالس البلدية فـي ميزان المراجعة والتقييم

في العمق : المجالس البلدية فـي ميزان المراجعة والتقييم
السبت - 26 سبتمبر 2026 02:53 م

د.رجب بن علي العويسي

يأتي التَّوجيه السَّامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في اجتماع مجلس الوزراء الموقَّر بتاريخ الـ(22) من سبتمبر (2026م): «بإجراء تقييم شامل للاختصاصات الممنوحة للمجالس البلديَّة والأدوار التي تقوم بها، وتكامل عملها مع أعمال المحافظين»، لِيضعَ تجربة المجالس البلديَّة أمام محطَّة جديدة من المراجعة والتقييم وإعادة قراءة مسارها، وضبط أدواتها وتعظيم الأثر الناتج عنها في منظومة التنمية المستدامة بالمحافظات وتحقيق اللامركزيَّة والإدارة المحليَّة، بما يُعزِّز قدرتها على أداء أدوارها خلال المرحلة المقبلة.

على أنَّ أهميَّة هذا التَّوجيه السَّامي لا تقف عند حدود مراجعة الاختصاصات أو إعادة توصيف الأدوار، بل تتَّصل بصورة أعمق بموقع المجالس البلديَّة ودَوْرها في منظومة التنمية الوطنيَّة، ومستوى حضورها في رسم ملامح اللامركزيَّة، وحجم التمكين والصلاحيَّات والمشاركة الفاعلة لها في اتِّخاذ القرار، وما يمكن أن تضطلعَ به من أدوار في دعم مسار التنمية بالمحافظات، وتعزيز المشاركة المُجتمعيَّة، وتجسيد عملي لمسار اللامركزيَّة الذي وجَّه جلالة السُّلطان المُعظَّم في افتتاح دَوْر الانعقاد الثامن لمجلس عُمان على تقييمه ومراجعته، وإيجاد مساحات أكثر فاعليَّة للشراكة المنتِجة الفاعلة في صناعة الأولويَّات التنمويَّة. وبالتَّالي على أهميَّة المشاركة الفاعلة لفئات المُجتمع في دعم أدوار هذه المجالس، وفي الوقت نفسه كفاءة عمليَّات الاختيار لأعضاء المجالس البلديَّة في الانتخابات، بما يُسهم في رفد المجالس بالكفاءات والخبرات القادرة على الارتقاء بأعمالها.

من هنا فإنَّ فالمراجعة والتقييم في هذا السياق الوطني والرؤية السَّامية لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما إجراءً إداريًّا شكليًّا، بل ممارسة أصيلة، واستراتيجيَّة مؤسَّسيَّة وأولويَّة وطنيَّة تفرضها طبيعة التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتنمويَّة، وما أفرزته تجربة اللامركزيَّة والإدارة المحليَّة بالمحافظات من معطيات وملاحظات وتحدِّيات وفرص. وهي مراجعة تأتي في توقيت مُهمٍّ، يرتبط بترشيحات أعضاء المجالس البلديَّة للفترة الرابعة لعام (2026)، وهي نتاج لتراكم الخبرة العمليَّة والتجربة الوطنيَّة للمجالس البلديَّة، ومع انتقال العمل المحلِّي إلى مستويات أكثر اتِّساعًا في ظلِّ نظام المحافظات وتنامي الطموحات المرتبطة بالخطط التنمويَّة والخطَّة الخمسيَّة الحادية عشر ومرتكزات رؤية «عُمان 2040».

إنَّ الاهتمام بتنمية المحافظات وترسيخ مبدأ اللامركزيَّة يُمثِّل نهجًا قائمًا على تمكين المُجتمع المحلِّي من إدارة شؤونه والإسهام في بناء وطنه، وما من شك بأنَّ دَوْر المجالس البلديَّة سوف يَضْمن لهذه المنظومة الكفاءة والمهنيَّة والقدرة على رسم ملامح التوجُّه وتأطير أبجديَّاته وأساليب عمله، فإنَّ اختصاصات المجالس البلديَّة تُمثِّل اليوم مدخلًا مهمًّا في فَهْم التحوُّل القادم، ومتطلبات الدخول في المسارات الجديدة في التنمية الوطنيَّة للمحافظات، والتي تُشكِّل المجالس البلديَّة جزءًا رئيسًا من تكوينها، وفي الوقت نفسه يأتي امتدادًا لتوجيهات جلالة السُّلطان المُعظَّم في خِطابه السَّامي بمناسبة الانعقاد السنوي الأوَّل للدَّوْرة الثامنة لمجلس عُمان (2023) بشأن دَوْر المجالس البلديَّة، وقد جاء في عاطر الخِطاب السَّامي: «مؤكِّدينَ على أنَّ دَوْرَ المجالسِ البلديَّة لا يقْتَصِرُ على الشَّأنِ البَلَدِيِّ المحلِّيِّ فحسبْ، بلْ أُسنِدَتْ إليها اختصَاصَاتٌ وأدوارٌ عديدةٌ، مُوجِّهينَ أعضاءَ هذه المجالسِ لاستغلالِ ما أُتِيحَ لهم مِنْ مُمَكِّنَاتٍ، للعملِ بِطُرُقٍ مبتكرةٍ، وفِكرٍ متقدّمٍ تَنعكِسُ آثارُهُ الإيجابيَّة على سعادةِ المواطنِين ورَفَاهيتِهِم».

ومن هنا فإنَّ التَّوجيه السَّامي الأخير يُعِيد وضع هذا المسار في دائرة المراجعة العمليَّة، ويمنح المجالس البلديَّة فرصة لقراءة تجربتها من منظور أكثر ارتباطًا بالمستقبل، بحيث لا تكون المراجعة مجرَّد وقوف على ما تحقَّق، وإنَّما قراءة لِمَا ينبغي أن تكونَ عليه هذه المجالس في المرحلة القادمة، وما تحتاج إليه من أدوات وممكِّنات وآليَّات عمل حتى تتحوَّلَ اختصاصاتها إلى قِيمة تنمويَّة مضافة في المحافظات.

ومع التأكيد على أنَّ الاختصاصات المُحدَّدة للمجالس البلديَّة في المادَّة الـ(21) من قانون المجالس البلديَّة، المعدَّل بالمرسوم السُّلطاني رقم (38/2022)، تفصح عن اتِّساع واضح في أدوار هذه المجالس، وفي ارتباطها ـ وهو الأهم ـ بالشَّأن التنموي؛ من حيث: إبداء الرأي في وسائل استثمار موارد المحافظة لتحقيقِ التنمية المستدامة وخلق فرص العمل، وفي مشروعات خطط التنمية والمشاريع الإنمائيَّة، واحتياجات المحافظة من المرافق والخدمات والمشروعات، وأداء فروع الوحدات الحكوميَّة الخدميَّة، إلى جانب عدد من الجوانب المرتبطة بالرسوم والخدمات والنقل والأسواق والمرافق والفعاليَّات الثقافيَّة والترفيهيَّة والسياحيَّة. وهذه الاختصاصات في جوهرها تقدِّم صورة نوعيَّة في عمل المجلس البلدي؛ فهي تضعه في مساحة متقدِّمة من العمل التنموي، وتجعله أحد خيوط الترابط والتكامل بين المُجتمع والمؤسَّسات والمحافظة، بما يُؤكِّد أن الدَّوْر المطلوب من المجلس لا ينحصر في متابعة التفاصيل الخدميَّة، وإنَّما يمتدُّ إلى قراءة الواقع التنموي، ورصد احتياجات مُجتمع المحافظات، واستقراء الفرص، وتقديم الرأي المبني على المعرفة والبيانات والمنهجيَّة، والمشاركة الفاعلة في صناعة التحوُّل المستدام الذي يطول كلَّ جوانب العمل الوطني، ويضع المحافظة في حالة حراك تنموي مستمرٍّ ومنافسة ميدانيَّة ملهمة.

ومن هنا فإنَّ البُعد التنموي ينبغي أن يكونَ حاضرًا بقوَّة في أيِّ مراجعة قادمة لاختصاصات المجالس البلديَّة وأدوارها؛ وأن يُسهمَ بِدَوْر أكبر في رسم ملامح الصورة المتكاملة المأمولة من المحافظات وأوَّلها قراءة عمليَّة للفرص الاقتصاديَّة والاستثماريَّة والسياحيَّة والاجتماعيَّة في المحافظة، تضع متَّخذي القرار أمام خيار إنجاز نزعي وأدوات فعل احترافيَّة تتجاوز الشكليَّات وتصنع الفارق، ناهيك عن أدوراها المتقدِّمة في تقديم البدائل التنمويَّة والجلول العمليَّات للتحدِّيات الماثلة، ومناقشة الأولويَّات التنمويَّة، واقتراح وسائل استثمار الموارد، وإبداء الرأي في المشاريع الإنمائيَّة، وتعزيز التواصل مع المُجتمع، بما يجعل صوته أكثر التصاقًا بالواقع وأكثر قدرة على تقديم إضافة عمليَّة في منظومة التنمية، كل ذلك وغيره يأتي في إطار الشراكة الفعليَّة والمساهمة العمليَّة، والرأي المنتِج، والفكرة المنفَّذة، والأدوات والآليَّات التي تضع المنجز التنموي للمحافظات أمام محطَّة عمل حقيقيَّة يتشارك الجميع في صناعتها ويتحمل الجميع مسؤوليَّة الإخفاق فيها.

وبالتَّالي ما يعنيه ذلك كلُّه من، أولويَّة إعادة النظر في اختيار عضو المجلس البلدي القادر على تحقيق هذه الاختصاصات النوعيَّة، فيمتلك من المهارات والقدرات والاستعدادات والخصائص والشمائل ما يجعله أمام مسؤوليَّة، تتجاوز الحضور في الاجتماعات أو التعامل مع المطالب اليوميَّة، إلى امتلاك قدر أكبر من الدراية والمعرفة والمهنيَّة والقدرة على استقراء الواقع التنموي في محافظته. فالمسؤوليَّة الجديدة تتطلب عضوًا قادرًا على قراءة الخطط والبرامج، ورسم سيناريوهات المراجعة، وفرص المعالجة وتقييمها، وفَهْم أولويَّات المحافظة، وتحليل احتياجات المُجتمع، والتعامل مع القضايا الاقتصاديَّة والاستثماريَّة والسياحيَّة والخدميَّة، وتقديم مقترحات قابلة للنقاش والتنفيذ ضمن الاختصاصات والصلاحيَّات المقرَّرة قانونًا، وفق أدوات واضحة وأساليب مقنعة، وآليَّات مفهومة ومقنّنة ولا تخضع للاختيار أو الاختزال أو فرض الرأي على عضو المجلس البلدي ممارسة مؤسَّسيَّة تقوم على التعاون وتبادل الرأي، والاستفادة من الخبرات والكفاءات. وقد أتاح القانون للمجلس الاستعانة بالمختصِّين وذوي الخبرة والكفاءة في الجوانب الخدميَّة والتنمويَّة، وهو ما يمكن البناء عليه لتعزيز جودة الطرح ورفع مستوى الدراسات والمقترحات التي تقدِّمها المجالس.

أخيرًا، فإنَّ نجاح هذه المرحلة لا يرتبط فقط بما ستسفر عنه المراجعة من تعديل أو تطوير في الاختصاصات، بل كذلك بما ستنتجه من تطوير في أدوات العمل وآليَّات التمكين والتواصل وأساليب المتابعة وقياس الأثر. وحجم المشاركة في القرار، وفَهْم واضح للأدوار والمسؤوليَّات والواجبات، وكفاية واكتمال الأدوات والتشريعات التي تساعد أعضاء المجالس البلديَّة في تفعيل أدوراهم، ومؤشِّرات تقيس أثرها، ومساحة مناسبة للحوار مع المُجتمع والمؤسَّسات ذات العلاقة، فإنَّ التَّوجيه السَّامي بإجراء التقييم والمراجعة يفتح أمام المجالس البلديَّة مرحلة جديدة يصبح فيها التحسين والمراجعة المستمرَّة، والوضوح المؤسَّسي، وتعظيم البُعد التنموي، ورفع مستوى المهنيَّة، وتعزيز الشراكة مع المُجتمع والمحافظات مرتكزات تحوُّل قادمة، تجعل من المجالس البلديَّة محطَّة وطنيَّة أكثر فاعليَّة في قراءة الواقع وتقديم المقترحات وإدارة التحوُّلات وصناعة الفرص. فكلَّما اقترب عمل المجالس البلديَّة من احتياجات المحافظات، واتَّصل بفرصها ومُقوِّماتها، واستند إلى المعرفة والبيانات، والمؤشِّرات والإحصائيات، وتُعزِّز تكامله مع المحافظين والمؤسَّسات الحكوميَّة والخاصَّة وروَّاد الأعمال والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة والمُجتمع، أصبح أكثر قدرة على تقديم منجز تنموي أكثر منافسة وإنتاجيَّة، واستدامة واحتواء.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]