ها أنتَ أصبحت تطرق باب التقاعد، ذلك القرار الذي يستصغره البعض، فيتَّخذه بين ليلة وضحاها، فيتفاجأ الجميع بقراره، ويلومه البعض لأنَّه باغتَهم بهذا الخبر، فَهُم لا يصدِّقون أن هذا القرار قد اتُّخذ فجأةً. أمَّا البعض الآخر فتجده يتردد، ويدرس قرار التقاعد سنوات، ويناقشه مع كل مَن حوله، ويُشرك الجميع في النقاش، بل يعقد الاجتماعات والجلسات، علَّه يصل إلى قرار حازم، هو يناقش فكرة التقاعد مع زملائه في العمل، ويسألهم عن الوقت الأمثل للتقاعد، ويبحث مع أفراد أُسرته تبعات هذا القرار عليهم ماليًّا واجتماعيًّا، وحتى أصدقائه الذين لا يتأثرون بقراره، لا يفوِّت فرصة استشارتهم. وهكذا، يظلُّ مترددًا، ويسوِّف، ويُعِيد حساباته في كل عام، ويطرح الأسئلة ذاتها: متى أتقاعد؟ وماذا أفعل بعد التقاعد؟ وما المكاسب والخسائر التي قد تترتب على هذا القرار؟
نعم، إنَّنا نتَّفق جميعًا على أن قرار التقاعد قرارٌ مصيريٌّ، ولعلَّه من القرارات المهِمَّة في حياة الإنسان، فهو لا يرتبط بالجانب المِهني وحده، بل يمتدُّ أثَره إلى الجوانب الماديَّة والاجتماعيَّة والنفسيَّة. فالتقاعد يعني مغادرة الوظيفة، وفقدان اللقب الوظيفي، والتخلِّي عن بعض الصلاحيَّات والامتيازات التي اعتاد الإنسان أن يمارسَها سنوات طويلة، فضلًا عن تغيُّر طبيعة العلاقات اليوميَّة مع الزملاء والمراجعين، والابتعاد عن بيئة العمل التي أصبحت جزءًا من حياته اليوميَّة.
ولأنَّ القرار بهذه الأهميَّة، فإنَّ اتِّخاذه لا ينبغي أن يكونَ نتيجة لحظة غضب، أو ضغوط عمل عابرة، أو رغبة في الهروب من مسؤوليَّات العمل. كما لا ينبغي أن يتحوَّلَ إلى قرار مؤجَّل إلى ما لا نهاية بسبب الخوف من المستقبل المجهول. فعليك أن تعرفَ متى تتقاعد؟ ولتعرف الإجابة، عليك أولًا أن تحدِّدَ النِّسبة التي يمكنك التخلِّي عنها من راتبك دون أن يسببَ ذلك إرباكًا في ميزانيَّة أُسرتك.
بمعنى آخر، ما قِيمة الراتب التقاعدي الذي يمكنك الحصول عليه، بحيث يُحقق لك ولأُسرتك الأمن المالي، ويحافظ على مستوى معيشي كريم؟ وهنا يأتي دَوْر المختصِّين في إدارة الموارد البشريَّة بالمؤسَّسة التي تنتمي إليها؛ إذ يمكنك أن تسألَهم بوضوح: متى أتقاعد بحيث أحصل على راتب شهري قدره كذا؟ فمعرفة الإجابة تساعدك على اتِّخاذ قرار أكثر وضوحًا، بعيدًا عن التقديرات والتوقُّعات.
يحلم البعض باستثمار مكافأة التقاعد، التي قد تصل إلى مبالغ كبيرة، فيفكر في استثمارها والاعتماد على عائد الاستثمار لتعويض الخسائر الماليَّة الناتجة عن خفض الراتب بعد التقاعد. والواقع أن الاعتماد على هذا الخيار وحده قد يكون مخاطرة لا تُحمد عقباها، فلا تجازف بأصْلِ راتبك، وتأكَّد أولًا من أن الراتب التقاعدي يكفيك لِتعيشَ أنتَ وأفراد أُسرتك حياة كريمة، قبل أن تفكرَ في استثمار المكافأة.
ومن الأخطاء التي قد يقع فيها بعض المتقاعدين أن يضعوا البَيْض في سلَّة واحدة؛ فإذا سقطت السلَّة، انكسر البيض كلُّه، وخسروا ما يملكون. فتجده يستخدم المبالغ التي حصل عليها كمكافأة للتقاعد في استثمار واحد، دون أن يحتسبَ دورة رأس المال، ومتى سيسترجع قِيمة الأموال من خلال صافي الأرباح.
لذلك، عليك أيُّها المقبل على التقاعد، أن تدرسَ أيَّ مشروع استثماري بعناية، وأن تعرفَ حجم المخاطر، والمُدَّة التي تحتاج إليها لاستعادة رأس المال، وألَّا تجعلَ مستقبلك المالي معتمدًا على مصدر واحد. واحرص على الاحتفاظ بمبلغ مناسب للطوارئ، كالحاجة إلى العلاج، أو شراء سيَّارة، أو توفير عامل أو سائق يُعينك على متطلبات الحياة، حتى لا تجدَ نفسك مضطرًّا إلى طلب المساعدة من الآخرين عند الحاجة.
وتذكَّر أنَّ قرار التقاعد لا ينبغي أن يُتَّخذَ بمعزل عن الأُسرة. فالتقاعد قد يغيِّر نمط الحياة داخل المنزل، ويؤثِّر في المسؤوليَّات والالتزامات اليوميَّة، ولذلك فإنَّ الحوار مع الزوج أو الزوجة والأبناء، بحسب ظروف الأُسرة، يساعد على فَهْمِ التوقُّعات، وتحديد الاحتياجات، وتجنُّب المفاجآت التي قد تظهر بعد اتِّخاذ القرار. فكلَّما كان القرار أكثر وضوحًا، وكانت الأُسرة على دراية بتبعاته، أصبح الانتقال من الحياة الوظيفيَّة إلى التقاعد أكثر طمأنينة واستقرارًا.
الواقع أنَّ تبعات التقاعد لا تقتصر على الجانب المادِّي وحده، بل تمتدُّ إلى الجانب الاجتماعي، فالوظيفة لا تمنح الإنسان راتبًا شهريًّا فحسب، وإنَّما توفِّر له مكانة اجتماعيَّة، وعلاقات مهنيَّة، وحضورًا في محيطه، فضلًا عن الصلاحيَّات والامتيازات التي اعتاد أن يتمتعَ بها خلال سنوات عمله. لذلك، عليك أن تضعَ هذه التغيُّرات في الحسبان عند اتِّخاذ قرار التقاعد، وأن تسألَ نفسك: هل أنا مستعدٌّ للتخلِّي عن بعض هذه الامتيازات؟ وهل أستطيع التكيُّف مع تغيُّر طبيعة علاقاتي وحضوري الاجتماعي بعد مغادرة العمل؟ فالتفكير في هذه الجوانب يساعدك على اتِّخاذ قرار أكثر وعيًا واتِّزانًا... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@