الأربعاء 30 سبتمبر 2026 م - 18 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

«لا» النافية للجنس ودورها العقدي فـي الأداء القرآني «2»

الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 02:12 م
300


.. وثاني تلك النماذج قول الملائكة أنفسهم عندما علم الله آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال:(أَنبِئونِي بِأَسمَاءِ هَؤلاءِ إنْ كُنتُم صَادِقِين)، قالوا في التو، واللحظة: (سُبحَانَكَ، لَا عِلمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا، إِنَّكَ أَنتَ العليمُ الحكيم).

هنا إقرار تام، وتسليم مطلق، ونفي لكل علم علموه، أو تعلموه في حياتهم، فقد عبروا تعبيرا جازما بأنهم لا علم لهم مطلقا، لا من قريب، ولا من بعيد إلا ما علمهم الله إياه، فلم يعلمهم أحد سواه، فالله وحده، دون غيره هو من علمهم، وأقروا إقراًرا واضحًا:(لَا عِلمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا) فهو أسلوب قصر بالنفي المطلق، والإثبات المطلق التام، المحكم، بأنهم لم يتعلموا على يد أحد من خلق الله: إنسًا كان، أو جِنًّا، وإنما كان تعليمهم ربانيًّا، سماويًّا فقط.

هو إذن إقرار، وإخبات، واعتراف، بكل يقين وثبات، وهم الملائكة الذين يعلمون فوق علوم البشر، لكنهم باستعمالهم (لا) النافية للجنس أعطوا أنفسهم قدرهم، وبينوا عظمة الله في كونه، وعلى كل خلقه، ولو كانوا ملائكة، فالجميع أمام الله سواء، وظهر أن آدم بتعليم الله إياه صار أستـاذ الملائكة، ومعلمهم الأول بعد الله تعالى، فاستعمال (لا) النافية للجنس هنا جاء في قمة الخشية، وكمال الإخبات، وجمال الخضوع من الملائكة لله رب العالمين.

ومنها وثالث نماذجها: قولُ الرسول الكريم عندما أشاع الشيطان مقتله في غزوة من الغزوات هي غزوة بدر الكبرى، وكان القتل مستحرًّا في المؤمنين، قام النبي يضرب بسيفه في أطناب أرض المعركة، ويعلنها صريحة، ومدوية فصيحة:(أنا النبيُّ لا كذب.. أنا ابنُ عبدِ المطلب)، فجاءت كلماته شعرًا، موزونًا، مصرعًا من بحر الرجز المجزوء، على وزن:(مستفعلن مستفعلن.. مستفعلن مستفعلن)، ودخله الخبن بحذف ثاني التفعيلة الساكن، وهو السين في كل تفعيلاته فهي:(متفعلن متفعلن.. متفعلن متفعلن)، رغم ما فيه من ألم، وحذر، وكر، وفر، فذكر أنه النبي (صلى الله عليه وسلم)، وليس شيطانًا يلبس شخصيته، إنما هو النبي، لا كذب في نبوته، ولا شكَّ في رسالته، وهو ابن عبد المطلب، المتأصل في الشجاعة، والذود عن الحياض، والمعروف بالنبل، وخوض الحروب، الضارب في أطناب الأرض في العطاء والكرم، المشهور بين الناس بحسن الخصال، والدم الحر الشجاع الذي تهون نفسه في الدفاع عن الحق، والعدل، والصدق، والقوك، والفتوة، أي:(أنا النبي لا كذب مطلقًا في نبوتي، ولا خداع أبدًا في رسالتي، وأنا ابن عبد المطلب، المتأصل في عربيتي، الراسخ في إيماني بربي، المتسامي بوصلي لمولاي، وإلهي، وصدق عقيدتي)، فقد أحدثت (لا) النافية للجنس تلك المعاني الإيمانية الرائعة، وآيات الدلالات الماتعة، والنافعة.

ونختم هنا بنموذج أخير لدلالة (لا) العقدية التي تزلزل كل ما حولها، ولا تتزلزل، وتثبت ثبات الجبال، لا تتخلخل، وهو قول نوح ـ عليه السلام ـ في عز القلق من الفيضان الأرضي والسماوي، وكان قد عمَّ الفيضان جميع الأركان، وفاض الماء، وأغرق كل مكان، ونادح نوح ابنه (وكان في معزل):(يا بُنَيَّ اركبْ مَعَنَا وَلَا تَكُن مَعَ الكَافِرِين)، فقال له ابنه:(سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعصِمُني مِنَ المَاءِ)، فردَّ عليه أبوه، سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ ردًّا مُرعبًا، واضحًا، مُجلجلًا، جعل طبقات الجو تضطرب من أثر الصوت، وعمق الاعتقاد في سعة قدرة الله، قال لابنه:(لَا عَاصِمَ اليَومَ مِن أَمرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رُحِم)، باستعمال (لا) النافية للجنس، التي تعني أنه لا يوجد عاصم مطلقًا في كل الدنيا، وفي القارات كلها يمكنه أن يدرك ابنه، أو ينقذه، فاستعمال (لا) النافية للجنس هنا خطير، وفيه إقرار تام، واعتراف كامل بعدم عصمة أحد من الغرق في هذا الطغيان، مهما كانت قدرته، ومهما علت سطوته، أي:(أي لا عاصم لك مطلقًا اليوم من الغرق)، وبالفعل، أكملت الآية، فقالت:(وَحَالَ بَينَهُمَا المَوجُ فَكَانَ مِنَ المُغرَقِين)، راح مع الغرقى الكافرين، الذين أغرقهم الله؛ لكفرهم، ومعاصيهم، وجفَّت الأرض، وابتلعت ماءها، وأقلعت السماء، واستوت السفينة على الجودي، (وَقِيلَ بُعدًا لِلقَومِ الظَّالِمين)، جاءت (لا) هنا؛ لتبين علاقة الأنبياء بربهم، وارتباطهم بمولاهم، وإلههم، ووصالهم به، وإيمانهم بجلاله، فلا عاصم اليوم من هذا الفيضان، ولا ناجيَ منه إلا مَنْ كتب الله له النجاة، وقَدَّرَ في لوحه المحفوظ إيمانَه، فَمَرَّ دون عقاب، ونَجَا دون أدنى تعب، أو غرق.

هكذا تعمل (لا) النافية للجنس عملها الاعتقادي، وتأديتها دورها في عز التعب، وعمق الاضطراب، فتأتي؛ لتريح القلوب، وترسي هدوء النفوس، وراحة الأرواح، ويقين الأفئدة، وسعادة الأرض، والعباد، وبيان علاقة الخلق بخالقهم، والذي يجب أن يكون في اللحظات الحاسمة، والأوقات المحزنة، الآسنة، فتأتي بالاعتقاد الحق راسمة، وللوجوه المؤمنة باسمة، وبعلاقتها بربها ومولاها خبيرة بصيرة عالمة، لا عنه مدبرة، آثمة.

د.جمال عبدالعزيز أحمد

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]