الأربعاء 30 سبتمبر 2026 م - 18 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

احذروا الركون «3»

الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 02:10 م
140

أيها القراء الكرام: أختتم مع حضراتكم ما بدأناه حول الركون إلى الذين ظلموا وعاقبته، وقد توقفنا عند موافقة أهل التفسير لكلام أهل اللغة في معنى الركون:(إذ قالوا: إذا نهى الله عن الركون إلى من استمر منه الظلم، كان النهي عن فعل الظلم نفسه أولى وأحرى) (إعراب القرآن وبيانه، 4/‏‏ 444).

فلنحذر الميل القلبي أو العملي نحو الظالمين، سواء بالموافقة، أو المساندة، أو التبرير، أو السكوت عن ظلمهم، قال المفسرون: الركون لا يعني المشاركة الكاملة، بل حتى الميل اليسير الذي يضعف الموقف الحق، ومن أجمل ما قرأت في هذا المضمار ما لخّصه بعض الحكماء عن حقيقة الركون، فقال:(كمال الحمق هو طلب منازل الأخيار بأعمال الأشرار، وبغض أهل الحق ومحبة أهل الباطل، وعلامة الجهل حب الغنى وطول الأمل وشدة الحرص، وعلامة العمى الركون إلى من لا تأمن غشه، والمنّ مع الصدقة، والعبادة مع البخل) (المجالسة وجواهر العلم، 4/‏‏ 435).

وبهذا يتضح لنا ـ أيها الأحباب ـ أن الركون إلى الظالمين ليس مجرد خطأ عابر، بل هو انحراف خطير يهدد صفاء الإيمان وسلامة المجتمع، وأن النصوص القرآنية والتفاسير والآثار كلها متضافرة على التحذير منه، مستحضرين دائمًا قوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود ـ 113)، ونستخلص من الآية الكريمة خطورة الركون للظالمين، أولًا: إضعاف الحق، وذلك لأن الركون يضعف صوت الحق ويقوي سلطان الباطل، ويمنح الظالمين شرعيةً زائف، ثانيًا: المشاركة في الإثم، من رضي بفعل الظالم أو أعانه، فقد شاركه في وزره، يقول ابن كثير:(النهي عن الركون إلى الظالمين ولو أدنى ميل، فإن ذلك يوجب مشاركةً لهم في ظلمهم)، ثالثًا: فقدان البركة، فالمجتمع الذي يسكت عن الظلم أو يركن إليه، يفقد الطمأنينة والعدل، رابعًا: فساد المجتمع، فإذا سكت الناس عن الظالم أو ركنوا إلى أهله، انتشر الفساد وضاع العدل، وقد نبّه العلماء إلى أن السكوت عن الظلم نوع من الركون، إذ قالوا: (الساكت عن الحق شيطان أخرس)، وذلك لانتفاع بظلمهم، خامسًا: العقوبة الأخروية، فقد نصّت الآية على أن الركون تؤدي عاقبته إلى مسّ النار، وهو تهديد مباشر بالعذاب، وهو وعيد شديد يدل على خطورة الأمر، لكي نحذر جميعًا من الإعجاب بالظالم أو تمني بقائه، ناهيك عمن يسكتون عن ظلمهم خوفًا منهم أو طمعًا في الانتفاع منهم، وخاصة مرضى القلوب الذين يستفيدون من سيطرتهم، فيقومون بالمساندة العملية لهم وخدمتهم، والدفاع عنهم أو تبرير أفعالهم، ألم يعلم هؤلاء أن الشرع الحنيف قد أخذ منهم موقفًا حاسمًا.

فالإسلام يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، وجعل الركون إلى الظالمين من كبائر الذنوب لإسلام يوجب مقاومة الظلم والابتعاد عن أهل الظلم، قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)، أي: بمنعه من الظلم وردعه عنه لا بمساندته ليتمادى فيه، فالرضا بالظلم ظلم، لا يجوز للمؤمن أن يرضى بالظلم أو يشارك فيه، بل يجب أن يكون موقفه واضحًا في رفضه وإنكاره، فنلكن جميعًا حذرين من الظالمين ونساند المظلومين من الشعوب أو الأشخاص مهما كانوا، قال تعالى:(..وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثمِ وَٱلعُدوانِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ) (المائدة ـ 2)

وأختم بقول الإمام الطبري (7/‏‏ 339 ط، التربية والتراث): (أيها المؤمنون، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار).. لذلك وجب على المؤمن أن يكون ثابتًا في موقفه، رافضًا للظلم وأهله، مُتمسِّكًا بالحق والعدل، حفظنا الله جميعاً وبلادنا من كل سوء.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]