الأربعاء 23 سبتمبر 2026 م - 11 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

التحول من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الأفكار

التحول من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الأفكار
الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 02:55 م

جودة مرسي

أيُّهما أهمّ للمستقبل بالنِّسبة للاقتصاد، ما بقي من النفط تحت الأرض؟ أم كم فكرة بقيت في العقول ولم تتحوَّل بعد إلى ثروة؟ وفرضيَّة السؤال هي تنامي اقتصاد المعرفة في سلطنة عُمان، لِتكونَ الإجابة نموذجًا يحتذى به للدول التي تبحث عن اقتصاد الغد، بعد أن بدأت السلطنة صناعة الثروة من المختبر، لِيصبحَ الاستثمار في العقل جزءًا من معركة بناء الاقتصاد بعد النفط، هناك أرقام تمرُّ أمامنا كأنَّها مجرَّد بيانات ماليَّة، وأرقام أخرى تستحق أن نتوقفَ عندها قليلًا، ليس لأنَّها ضخمة بالضرورة، وإنَّما لأنَّها تكشف اتِّجاهًا جديدًا في طريقة صناعة المستقبل. ومن بين هذه الأرقام، يأتي إنفاق سلطنة عُمان على البحث والتطوير التجريبي، الذي بلغ (189.42) مليون ريال عُماني في عام (2025)، بما يعادل (0.48%) من الناتج المحلِّي الإجمالي بالأسعار الثابتة، لكن الأهم من الرَّقم هو مساره، فقد ارتفع الإنفاق من (98.26) مليون ريال في (2021) إلى (189.42) مليون في (2025)، أي بزيادة تقارب (93%) خلال أربع سنوات. وهنا لا ينبغي أن نقرأَ الرَّقم باعتباره مجرَّد زيادة في بند من بنود الإنفاق، بل باعتباره إشارة إلى أن المعرفة بدأت تأخذ مكانًا أكثر وضوحًا في الحسابات الاقتصاديَّة للسلطنة.

في عالم يتغيَّر بسرعة، لم تَعُد الثروة فقط ما نستخرجه من الأرض، وإنَّما أيضًا ما نستطيع أن نبتكرَه بالعقل، من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الأفكار. لسنوات طويلة، كان الحديث عن تنويع الاقتصاد يدور أساسًا حول تقليل الاعتماد على النفط والغاز، وتنمية قِطاعات الصناعة والسياحة واللوجستيَّات والثروة السمكيَّة والتَّعدين وغيرها، لكن هناك طبقة أعمق من التنويع، إنَّها تنويع مصادر المعرفة نفسها؛ فالتكنولوجيا اليوم لا تعمل كقِطاع منفصل عن الاقتصاد، وإنَّما أصبحت تدخل في قلب كل القِطاعات تقريبًا؛ الذَّكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل الصناعة، البيانات تغيِّر الخدمات الماليَّة، التقنيَّات الحديثة ترفع كفاءة الطاقة، الابتكار الزراعي يُعيد تعريف استخدام المياه، والتكنولوجيا الصحيَّة تفتح أسواقًا جديدة، وبالتَّالي فإنَّ الاستثمار في البحث والتطوير لا يخدم قِطاعا واحدًا، وإنَّما يمكن أن يصبحَ رافعة مشتركة للاقتصاد كلِّه. وهنا تبرز أهميَّة الرَّقم (189) مليون ريال، لكن ماذا بعد الرَّقم؟ قد يكون من السَّهل الاحتفاء بارتفاع الإنفاق، لكن الاقتصاد لا يكافئ الدول لأنَّها أنفقت، وإنَّما لأنَّها حوَّلت الإنفاق إلى نتائج. وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر صعوبة: كم بحثًا تحوَّل إلى منتج؟ كم ابتكارًا تحوَّل إلى شركة؟ كم براءة اختراع وصلت إلى السوق؟ كم شركة ناشئة خرجت من رحم الجامعات ومراكز البحث؟ وكم ريالًا عاد إلى الاقتصاد مقابل كل ريال أُنفق على البحث والتطوير؟ هذه الأسئلة هي التي ستُحدِّد القِيمة الحقيقيَّة للإنفاق؛ فالاختراع الذي يبقى حبيس المختبر يظلُّ معرفة، أمَّا الاختراع الذي يصل إلى السوق فيصبح اقتصادًا. المفارقة الجميلة أن القِطاع الخاص يقترب. ومن أكثر المؤشِّرات التي تستحق الانتباه في بيانات (2025) أن القِطاع الخاص استحوذ على (46%) من إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير، مقابل (31%) للقِطاع الحكومي و(23%) لقِطاع التعليم العالي، وهذه ليست مجرَّد نِسَب، إنَّها تعني أن الابتكار بدأ يتحرك تدريجيًّا من المجال الأكاديمي والمؤسَّسي إلى منطقة الإنتاج والسوق، وهذا هو المكان الذي تصبح فيه الفكرة تحت الاختبار الحقيقي، الشركة لا تموِّل بحثًا علميًّا لمجرَّد الحصول على ورقة بحثيَّة جميلة، وإنَّما لأنَّها تريد تقنيَّة تخفض التكلفة، أو ترفع الإنتاجيَّة، أو تفتح سوقًا، أو تمنحها قدرة تنافسيَّة. ومن هنا فإن مشاركة القِطاع الخاص ليست تفصيلًا جانبيًّا، بل عنصر أساس في بناء اقتصاد معرفي قابل للاستمرار. رأس المال الحقيقي ليس في الخزينة: هناك رقم آخر أكثر أهميَّة من المال نفسه، بعد أن بلغ عدد العاملين المشاركين في أنشطة البحث والتطوير في السلطنة خلال (2025) نحو (35,539) شخصًا، بينهم (18,193) باحثًا. وهنا نصل إلى جوهر المسألة، حيث يمكن شراء أحدث الأجهزة، بناء المختبرات، تخصيص الميزانيَّات، لكن لا يمكن استيراد العقل الذي يعرف كيف يستخدم كل ذلك لصناعة ابتكار حقيقي؛ ولهذا فإن الاستثمار في التعليم والباحثين والمهارات المتقدمة ليس ملفًّا منفصلًا عن الاقتصاد، إنَّه جزء من بنيته الأساسيَّة. الدول التي تريد المنافسة في اقتصاد المستقبل لا تبحث فقط عن عمالة أكثر، وإنَّما عن عقول أكثر قدرة على حل المُشْكلات وإنتاج المعرفة، والاختبار ينتقل إلى المرحلة الأصعب في إطار رؤية «عُمان 2040»، لا يتعلق التنويع الاقتصادي بمجرَّد إضافة قِطاعات جديدة إلى الاقتصاد، وإنَّما ببناء اقتصاد أكثر إنتاجيَّة وتنافسيَّة وقدرة على الاستفادة من موارده البشريَّة والطبيعيَّة والتكنولوجيَّة. وهنا يصبح البحث والتطوير أحَد الجسور بين الرؤية والواقع.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»