مع انطلاق مناقشات الدَّوْرة الـ(81) للجمعيَّة العامَّة للأُمم المُتَّحدة، يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من سبتمبر الجاري، تظلُّ الدَّعوة التي أطلقها أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للمنظَّمة الدوليَّة، إلى نبذ الكراهية أيقونةَ مشهدٍ عالميٍّ مزدحمٍ بالمزيد من نزعات التغالب والابتزاز، بل والتنكيل.
لقد دعا المسؤول الدولي الأول إلى «تحرُّكٍ متضافرٍ لمواجهة خِطاب الكراهية والقضاء عليه». جاء ذلك في مؤتمر عالمي لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، خلال افتتاحه يوم الخميس الماضي، في إحدى قاعات المقرِّ العام للمنظَّمة الدوليَّة.
لقد خيَّمت على المؤتمر العديد من الأزمات الإقليميَّة والدوليَّة، وعلى رأسها: تداعيات حروب الشرق الأوسط، والنزاع الروسي الأوكراني، والخصومات الدمويَّة في السودان، والإشكاليَّات التي يخلِّفها الذَّكاء الاصطناعي، والتغيُّرات المناخيَّة والبيئيَّة المتعلقة بارتفاع مستويات سطوح البحار وعسكرتها.
لا شك أن دعوة جوتريش ينبغي أن تشدَّ الانتباه الدّولي إليها؛ نظرًا للأولويَّة التي تتمتع بها في مواجهة السُّلوك المُزري الذي جعل من الكراهية نزعةً احترافيَّة باتت تحكم أغلب الأحداث الدوليَّة الجاريَّة.
إنَّ العديد من الخبراء المعنيين بالتقويم الأخلاقي للمنظومة الدوليَّة يواصلون الآن التحذير من مغبَّة التَّمادي في الكراهية، لكن أمر ذلك لم يستقم إلَّا إذا تمَّ الاستعانة بالأولويَّات. ما هي؟
الإمساك بالمشتركات، وفق ما يترتب على ذلك من اقتسامٍ لحجم الكلف، والتخلِّي عن نفوذ القوَّة المفرطة.
لقد باتَ الإصحاح في هذا الشَّأن ضرورةً ملحَّةً، رسمتْ معالمَها المقاصدُ النبيلةُ التي تصدَّرت الميثاق الدولي العتيد منذ أربعينيَّات القرن الماضي. وإذا أردنا التخصُّص، يكفي أن نشيرَ إلى ما تضمَّنه من دعوةٍ واضحةٍ إلى «اتِّخاذ التدابير المشتركة الفعَّالة لمنعِ الأسباب التي تُهدِّد السِّلم، لإزالتها والتصدِّي للأعمال العدائيَّة».
إنَّ العالم ـ بالتعقيدات التي هو عليها الآن ـ يجد حاله في ظروفٍ دوليَّة يتواصل نزيفها خسائرَ جسيمةً تمثَّلت بفسادٍ ماليٍّ يتجاوز (600) مليار دولار سنويًّا، وأرقامٍ تتفاقم من ضحايا النزاعات العسكريَّة، وتلوُّثٍ وصلت مدياته إلى حدِّ الاختناق، وتبادلاتٍ تجاريَّة تغلب عليها المساومات والغشُّ والاحتيال. ولكم أن تتطلعوا إلى ما تعلنه منظَّمة الشفافيَّة العالميَّة بين الحين والآخر؛ لتتبيَّنوا الإرباك الذي أصاب الأسواق العالميَّة جرَّاء ذلك، وتفشِّي الجفاف والتوحُّش الصحراوي، وتفاقم المجاعات، والغزو السيبراني، والنَّقص في الجهود المخصَّصة لمواجهة الأوبئة، وعلى رأسها وباء إيبولا، وما رافقه ويرافقه من شكاوى لمنظَّمة الصحَّة العالميَّة توثِّق ذلك، وصراعاتٍ حدوديَّة، واستشراء المخدِّرات بممرَّاتٍ سريَّة متعدِّدةٍ، وضغوط البطالة والكساد الوظيفي، وحرائق غاباتٍ وأحراشٍ نباتيَّة؛ ممَّا جعل العالم على حافة افتقاد رئته.
لا أشكُّ أن التصدِّي لهذه المعضلات لم يتوقف في يومٍ من الأيَّام، لكن المُشْكلة تكمن بالتوقيتات وتذبذب المواظبة التضامنيَّة.
من هذه الزاوية جاءت مناشدة جوتيريش لنزعِ أنياب الكراهية، قائلًا: «إنَّ خِطابها لا يقتصر تأثيره على تأجيج الانقسامات، وإنَّما يضعف أيضًا القدرة على القَبول والتعارف والتفاهم واحترام التنوع».
الملخَّص المفيد: لم يكُن مصادفةً توقيتُ هذا المؤتمر مع انعقاد أعمال الدَّوْرة الأُمميَّة الـ(81)، بل أُريد له أن يكونَ رافعةً تحضيريَّة تستحق الإشهار، من منطلق التأكيد أن العالم لن يستقيمَ إلَّا بالنيَّات الحَسنة، مفتاحِ التفاوض المتطلع للحلول العادلة.
إنَّ تحريم خِطاب الكراهية يظلُّ قاعدةً بيانيَّة لأيِّ إصلاحٍ دوليٍّ جذريٍّ يُعيد تشكيل العالم على أُسسٍ تضامنيَّة واعدةٍ.
عادل سعد
كاتب عراقي