الأربعاء 23 سبتمبر 2026 م - 11 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

لماذا عادت أسعار الفائدة إلى الارتفاع؟ تحولات جديدة فـي الاقتصاد العالمي

لماذا عادت أسعار الفائدة إلى الارتفاع؟ تحولات جديدة فـي الاقتصاد العالمي
الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 02:57 م

د. يوسف بن خميس المبسلي

في تحوُّل مُهمٍّ في مسار السياسة النقديَّة الأميركيَّة، رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي ـ خلال هذا الشهر ـ سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئويَّة إلى نطاق يتراوح بين (3.75%) و(4%)، في أول زيادة منذ عام (2023)، مشيرًا إلى أن التضخم لا يزال مرتفعًا، وأن استعادة استقرار الأسعار تظلُّ في صدارة أولويَّاته. ويأتي القرار في مرحلة استثنائيَّة تتداخل فيها الضغوط التضخميَّة مع ارتفاع أسعار الطاقة والتوتُّرات الجيوسياسيَّة وقوَّة الإنفاق والاستثمار في الاقتصاد الأميركي.

ويأتي هذا التحوُّل بعد مسار طويل من التشديد النقدي بدأ عام (2022)، عندما بلغ التضخم الأميركي (9.1%) في يونيو، وهو أعلى مستوى له في نحو أربعة عقود. ودفع ذلك الفيدرالي إلى تنفيذ واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي، عبر (11) زيادة متتالية رفعت أسعار الفائدة من مستويات قريبة من الصفر إلى نطاق (5.25%–5.50%) بحلول يوليو (2023). وبعد ذلك، اتَّجهت السياسة النقديَّة نحو التثبيت ثم الخفض مع تراجع الضغوط التضخميَّة، قبل أن تعيدَ التطورات الأخيرة التضخم إلى صدارة المشهد الاقتصادي.

وقد أسْهَمتِ المواجهة العسكريَّة المستمرَّة بين الولايات المتحدة وإيران واضطرابات الملاحة في المنطقة في تغيير جانب مُهمٍّ من المعادلة. فقد تجاوزت أسعار النفط مُجدَّدًا مستوى (100) دولار للبرميل، الأمر الذي أعاد المخاوف من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار النقل والإنتاج والسِّلع والخدمات. وفي الوقت نفسه، تواجه الأسواق ضغوطًا أخرى مرتبطة بالرسوم الجمركيَّة وقوَّة الإنفاق الرأسمالي، خصوصًا الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذَّكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التكنولوجيَّة.

وهنا يجد الفيدرالي نفسه أمام معادلة دقيقة؛ فالإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة في ظلِّ استمرار التضخم قد يؤدي إلى ترسيخ توقُّعات ارتفاع الأسعار، بينما يؤدي رفعها إلى زيادة تكلفة الاقتراض والتمويل، وبالتَّالي الضغط على الاستهلاك والاستثمار والنُّمو الاقتصادي. ومن هنا، فإن قرار رفع الفائدة يعكس أولويَّة استقرار الأسعار، حتى وإن ترتَّبت عليه تكاليف اقتصاديَّة على المدى القصير.

وقد انعكست هذه التطوُّرات سريعًا على أسواق السندات، حيث تحرَّك العائد على سندات الخزانة الأميركيَّة لأجل عشر سنوات حول مستوى (5%)، وهو مستوى مرتفع مقارنة بالسنوات الماضية. ولا تقتصر أهميَّة ذلك على سوق السندات؛ فالعائد على سندات الخزانة الأميركيَّة يُمثِّل مرجعًا مهمًّا لتسعير العديد من القروض والأُصول حول العالم، وبالتَّالي فإن ارتفاعه يعني زيادة تكلفة تمويل الشركات والقروض العقاريَّة والاستثمارات، وكذلك تكلفة اقتراض الحكومات التي تلجأ إلى أسواق الدَّيْن.

وبالنِّسبة للأفراد، قد تظهر آثار القرار تدريجيًّا في ارتفاع تكلفة بطاقات الائتمان وبعض القروض ذات الفائدة المتغيِّرة، في حين يمكن أن يستفيدَ المدَّخرون من ارتفاع العوائد على الودائع وحسابات التوفير. أمَّا تكلفة التمويل طويل الأجل ـ مثل الرهون العقاريَّة ـ فلا تتحدَّد بقرار الفيدرالي وحده، بل تتأثر بدرجة كبيرة بعوائد السندات طويلة الأجل وتوقُّعات التضخم والنُّمو الاقتصادي.

لكن تأثير القرار لا يتوقف عند حدود الولايات المُتَّحدة؛ فالاقتصاد الأميركي والدولار يُمثِّلان محورًا رئيسًا في النظام المالي العالمي، ولذلك تنتقل آثار تحرُّكات أسعار الفائدة الأميركيَّة إلى أسواق العملات والسندات وتدفُّقات رؤوس الأموال حول العالم. وتواجه الدول ذات المديونيَّة المرتفعة ـ بصورة خاصَّة ـ ضغوطًا أكبر نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون، إلى جانب احتمال انتقال رؤوس الأموال نحو الأُصول الدولاريَّة ذات العوائد المرتفعة.

أمَّا في دول الخليج التي ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي، فإن قرارات الفيدرالي تكتسب أهميَّة خاصَّة بالنِّسبة للسياسة النقديَّة المحليَّة. وقد تدفع متطلبات الحفاظ على استقرار أسعار الصرف والسيولة البنوك المركزيَّة الخليجيَّة إلى التحرُّك بما يتناسب مع تطوُّرات السياسة النقديَّة الأميركيَّة، وهو ما قد ينعكس بِدَوْره على تكلفة التمويل للأفراد والشركات والاستثمارات. وفي المقابل، تستفيد الاقتصادات المنتجة للنفط من ارتفاع أسعار الطاقة من خلال زيادة الإيرادات، لِتنشأَ بذلك معادلة تجمع بين ارتفاع الإيرادات النفطيَّة من جهة، وارتفاع تكلفة التمويل من جهة أخرى.

وتضيف أسواق الذهب بُعدًا آخر إلى المشهد؛ فقد أصبحت العلاقة التقليديَّة بين الذهب والعوائد الحقيقيَّة الأميركيَّة أقلَّ وضوحًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تمكَّن الذهب من تسجيل مستويات مرتفعة رغم صعود العوائد الحقيقيَّة. ويعكس ذلك تزايد تأثير عوامل أخرى في قرارات المستثمرين، من بينها المخاطر الجيوسياسيَّة، والطلب على الملاذات الآمنة، وسياسات البنوك المركزيَّة، وعدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.

وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بمسار أسعار الطاقة والتضخم. فإذا استمرَّت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، وانتقلت تكاليف الطاقة بصورة أوسع إلى أسعار السِّلع والخدمات، فقد تبقى السياسة النقديَّة الأميركيَّة أكثر تشدُّدًا ممَّا كانت الأسواق تتوقع قبل اندلاع الأزمة. وفي المقابل، فإن تراجع أسعار الطاقة وانحسار الضغوط التضخميَّة قد يتيح للفيدرالي مرونة أكبر في إدارة سياسته النقديَّة خلال المرحلة المقبلة.

وفي الختام، فإن قرار رفع الفائدة لا ينبغي النظر إليه بوصفه قرارًا أميركيًّا منعزلًا، بل باعتباره جزءًا من معادلة اقتصاديَّة عالميَّة جديدة تتداخل فيها السياسة النقديَّة مع أسعار الطاقة والتوتُّرات الجيوسياسيَّة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا. والمفارقة أن الاقتصاد العالمي يجد نفسه اليوم أمام صدمتين في الوقت ذاته: ارتفاع تكلفة الطاقة وارتفاع تكلفة المال. وإذا استمرَّ الاثنان معًا لفترة طويلة، فإن التحدِّي الأكبر لن يكونَ التضخم وحده، بل كيفيَّة تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار والحفاظ على الاستثمار والنُّمو. وفي عالم اقتصادي شديد الترابط، فإن قرارات السياسة النقديَّة التي تُتَّخذ في واشنطن قد تمتدُّ آثارها سريعًا إلى مختلف أنحاء العالم.

د. يوسف بن خميس المبسلي

كاتب وأكاديمي عماني