الجمعة 25 سبتمبر 2026 م - 13 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

دورة التهويل الكوني

دورة التهويل الكوني
الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 02:50 م

د.أحمد مصطفى أحمد

20

هناك موجة تهويل على مواقع التواصل، انتقلت حثيثًا إلى منافذ إعلاميَّة، عن أن العالم على وشك كوارث وأزمات، ورُبَّما حرب عالميَّة. صحيح أن «معظم النار من مستصغر الشرر»، كما يقول المثل. لكن من غير الواضح من أطلق الشرارة الأولى في هذه الحملة التي يتَّسع نطاقها يومًا بعد يوم. أتصوَّر أنَّها بدأت بتضخيم تصريح «للاستهلاك المحلِّي» لمسؤول هنا أو هناك. فبعض الأوروبيين يبالغ أحيانًا في سياق حملة دعم أوكرانيا، بتصوير الحرب الروسيَّة عليها وكأنَّها ستجتاح كل أوروبا. ذلك في الأغلب لتبرير الاقتطاع من أموال دافع الضرائب البريطاني أو الألماني مثلًا لتمويل حكومة كييف، التي يكتشف العالم كل يوم كم الفساد فيها ونهب ملايين (ورُبَّما مليارات) الدَّعم الخارجي لها. وأحيانًا تكون تلك التصريحات استباقيَّة لتبرير عجز الحكومات عن مواجهة أضرار الكوارث الطبيعيَّة، كالأعاصير القويَّة والفيضانات الهائلة التي تعزل السكَّان في مناطق نائية، وتنقطع عنهم الطاقة والمياه وغيرها من متطلبات الحياة الضروريَّة.

الأخطر أن شخصًا ما نشر على أحَد مواقع التواصل أن مجموعة من المسؤولين الأميركيين وفَّروا للرئيس الأميركي سُبل الوصول لأنظمة أسلحة نوويَّة دون المرور عبر تراتبيَّة قيادة الجيش. وانتشر الكلام كالنار في الهشيم، مثيرًا الرُّعب من أن بإمكان الرئيس الأميركي شن حرب نوويَّة دون موافقة أركان إدارته من العسكريين. من الواضح طبعًا أن المنشور مفبرك، ولا يختلف عن فبركة منشورات مماثلة عن أن دول أوروبا طلبت من مواطنيها تخزين الطعام والماء والدَّواء تحسبًا لكوارث قادمة. رغم ذلك، بدأت وسائل إعلام وبعض الإعلاميين، الذين يستقون مادَّتهم من مواقع التواصل دون تمحيص أو تدقيق، في ترويج تلك الأخبار. أضاف ذلك زيتًا على نار الإشاعات، حتى نكاد نصل إلى حالة تهويل كوني بأنَّ العالم على وشك الدمار! صحيح أن الظواهر الطبيعيَّة، مثل الأعاصير وغيرها، تزداد حدَّة بسبب تغيُّر المناخ. وصحيح أيضًا أن قدرات الحكومات على مواجهة أضرار الكوارث تتراجع، لكن إثارة الذُّعر بالتهويل أشدُّ كارثيَّة من كوارث الطبيعة.

أمَّا بالنسبة لاحتمال الحرب الواسعة، فهذا ما نسمعه من مسؤولين منذ اندلعت حرب أوكرانيا قبل أكثر من أربع سنوات، ولم يحدث أن توسَّعتِ الحرب بالشكل الذي توقَّعه المتشائمون. رُبَّما لهذا السَّبب ظهر منشور الأسلحة النوويَّة الأميركيَّة كي لا يختفيَ الذُّعر الكوني، ويظل العالم في وضع توتُّر وانتظار كارثة. مفهوم أن الوضع العالمي كلَّه متردٍّ، اقتصاديًّا وسياسيًّا، وعلى كل صعيد تقريبًا. ومن المنطقي أن يتحسبَ الناس لسوء الأوضاع أكثر، فيحتاطون بشتَّى السُّبل. ورُبَّما تستغلُّ جهات، أو أجهزة بِعَيْنِها، تلك الحالة العالميَّة للدَّسِّ المعلوماتي لأهداف معيَّنة. إلَّا أن كل تلك الاحتمالات لا يجب أن تلغيَ العقل، وتدفعنا جميعًا لوضعيَّة القطيع الذي يساير الجموع دون تفكير. ثم إن البشريَّة طول عمرها على الأرض تفعل ذلك دون تهويل أو رعب مبالغ فيه. فالفلاح منذ قديم الأزل يتحسب لاحتمال أن تضرَّ ظروف طبيعيَّة بمحصوله، فيخزن من محصوله السابق ما يكفيه للموسم القادم. وهكذا يفعل الناس في كل المِهن: يدَّخرون قدرًا من المال للطوارئ. ولمن لا يستطيع تخزين المؤن أو المال، فإنه في حال الكارثة يعتمد على التكافل، إذ يصبح من لديه مستعدًّا لدعم مَن ليس لديه حتى تنتهيَ الأزمة. ذلك حال البشر في أغلبهم على مرِّ التاريخ.

ثم إنَّه بالنِّسبة لِمَن يهوِّلون، تضليلًا وتلفيقًا، لاحتمال حرب نوويَّة في العالم، يمكن القول ببساطة إنَّه لا جدوى إذًا من تخزين المؤن أو التحوُّط بأيِّ شكل. ففي العالم الآن من الأسلحة النوويَّة ما يكفي لتدمير كل ما على الأرض أكثر من مرَّة. وفي حال صراع كهذا، لن يقتصرَ على القوى النوويَّة الكبرى، كأميركا وروسيا والصين ودول أوروبا النوويَّة، بل ستعمل كل دولة لديها سلاح نووي على استخدامه؛ إذ لن يكونَ أحَد في مأمن من الدَّمار الشَّامل. فهي فرصة إذًا لِيسارعَ كل طرف لتدميرِ مناوئيه، حتى لو كان الجميع عرضةً للفناء. طبعًا هذا السيناريو الجنوني يبدو شططًا بعيدًا، فلم تفقد البشريَّة بعد عقلها إلى هذا الحدِّ.

هل سبب التهويل الآن أن الناس تخلوا عن بعض خصالهم مع التغيُّرات الاجتماعيَّة والثقافيَّة في العقود الأخيرة؟ بمعنى أن مَن لديه لم يَعُد مستعدًّا لإعطاء مَن ليس لديه! رُبَّما. لكن ما نشهده كلَّما حدثت كارثة طبيعيَّة، كتسونامي في دول آسيويَّة أو حرائق في دول شمال الكرة الأرضيَّة، يُشير إلى أن الناس ما زالت «فيها خير»، كما يقول المثل الشَّعبي. ففي كل أزمة تُجمع التبرعات والمساعدات للمنكوبين، بل وتجد متطوِّعين من الناس العاديين يسارعون لمساعدة الآخرين المتضررين. فلماذا هذا التهويل الكوني الآن؟ أتصوَّر أنَّها «حالة نفسيَّة عالميَّة» من الإحباط وفقدان الثقة في المستقبل. لا تقتصر الحالة على الدول الفقيرة أو النَّامية، بل هي أكثر وضوحًا في الدول الموصوفة «متقدِّمة». إنَّما في النهاية هي تُشبه دورات الصعود والهبوط في الأسواق، نتيجة تأثر المستثمرين بما يُسمَّى «العامل النفسي»، الذي غالبًا ما يكون نتيجة إشاعة أو خبر ملفَّق. وما تلبث الدَّورة أن تنتهيَ لِينعكسَ اتِّجاه السوق. والأغلب أن يكونَ هذا هو مصير دورة التهويل الكوني الحاليَّة أيضًا.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]