الأربعاء 23 سبتمبر 2026 م - 11 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : حين يهدأ الوسواس : تجربة العلاج بالاستنارة

رحاب : حين يهدأ الوسواس : تجربة العلاج بالاستنارة
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026 02:53 م

د ـ أحمد بن علي المعشني

200

يُعَدُّ اضطراب الوسواس القهري من أكثر الاضطرابات النفسية إزعاجًا واستنزافًا للإنسان؛ إذ تقتحم الأفكار ذهنه بإلحاح، وتدفعه أحيانًا إلى تكرار أفعال أو طقوس قهرية، مثل الغسل والتأكد وإعادة بعض السلوكيات مرات عديدة، رغم إدراكه أن ذلك مبالغ فيه، ومع مرور الوقت قد تتحول حياة الشخص إلى دائرة من القلق والخوف والإرهاق النفسي.

وقد دفعني اهتمامي بهذا الاضطراب إلى تقديم دراسة تناولت ثلاث حالات من الوسواس القهري، ضمن تجربة العلاج بالاستنارة، وعُرضت الدراسة في مؤتمر دولي لعلم النفس والروحانية في بانكوك عام 2025م، وكانت الحالات تعاني أنماطًا مختلفة من الوساوس، ومن بينها وساوس الطهارة والتلوث وتكرار الأفعال القهرية المصاحبة لها.

اعتمد التدخل العلاجي على عدد من التقنيات النفسية والروحية التي يقوم عليها علم نفس الاستنارة، ومن أهمها: النية العلاجية، وتعزيز الوعي بمعية الله، والاستغفار والذكر، والتأمل، والاسترخاء، والتخيل، والحوار الداخلي، وإعادة توجيه الانتباه، وفصل المسترشد عن الفكرة الوسواسية بدل الاندماج معها.

كما جرى تدريب المسترشد على ترك الفكرة تمر دون مقاومتها أو تنفيذ الطقس القهري المرتبط بها، مع تعزيز الطمأنينة والثقة والسكينة الداخلية.

وقد أظهرت الحالات الثلاث، بحسب المتابعة الإرشادية، تحسُّنًا واضحًا انتهى إلى زوال الأعراض التي كانت موضع التدخل وعودة المسترشدين إلى ممارسة حياتهم بصورة طبيعية، وهو ما اعتبر في سياق الدراسة تعافيًا للحالات الثلاث، ومع ذلك فإنَّ الأمانة العلمية تقتضي التأكيد أن دراسة ثلاث حالات تظل تجربة محدودة تحتاج إلى دراسات أوسع وأكثر ضبطًا قبل تعميم نتائجها.

وتبرز أهمية هذه التجربة إذا علمنا أن علاج الوسواس القهري قد يكون طويلًا ومُتعبًا في بعض الحالات، فالعلاج المعرفي السلوكي، ولا سيما أسلوب التعرض ومنع الاستجابة، يُعَدُّ من أكثر الأساليب المدعومة علميًّا، لكنه يتطلب من المريض مواجهة مخاوفه والامتناع عن الاستجابة القهرية، وهو ما قد يكون صعبًا في البداية، كما تُستخدم الأدوية، وخصوصًا بعض مضادات الاكتئاب، وتفيد عددًا كبيرًا من المرضى، لكنها لا تحقق النتيجة نفسها مع الجميع.

ومن هنا لا ينبغي أن يُقدَّم العلاج بالاستنارة بوصفه بديلًا يلغي العلاجات النفسية أو الدوائية، بل بوصفه مسارًا تكامليًّا يحتاج إلى البحث والقياس والتقويم.

إن تجربة هذه الحالات الثلاث تعيد إلينا معنى مُهمًّا: أن الوسواس مهما اشتد ليس قدرًا نهائيًّا، وأن الإنسان قد يستعيد سكينته حين يجد الأسلوب الذي يساعده على تحرير وعيه من الخوف، واستعادة ثقته بنفسه، وتعميق شعوره بمعية الله.

د. أحمد بن علي المعشني 

 رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية