الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 م - 10 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية.. «أهمية إتيكيت المصافحة وأنواعها» «1»

فن الدبلوماسية.. «أهمية إتيكيت المصافحة وأنواعها» «1»
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026 02:51 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

تحاول المدارس الغربيَّة إهمال وإغفال الدبلوماسيَّة الإسلاميَّة في إتيكيت المصافحة بين الإخوة والأصدقاء والأقارب، وخصوصًا في المُجتمع العربي أو الإسلامي، والتي لها الأثر الكبير في توطيد المحبَّة بين جميع شرائح المُجتمع، سواء الرَّسمي أو الشخصي، وإشاعة الموَدَّة والسَّلام بين الشعوب، وتطبيق ما يدعو إليه الدِّين الإسلامي الحنيف من تسامح وتآخٍ ومحبَّة ونبذ العنف والعنصريَّة والفوقيَّة، حيث اتَّصفت الدبلوماسيَّة الإسلاميَّة (إتيكيت المصافحة) بالذَّوق واللُّطف والكياسة واللّياقة والتي أسّست معالم وأهداف واستراتيجيَّة الدبلوماسيَّة السلسلة المحبَّة للخير والتسامح والتآخي والتي نتعامل بها الآن.

تُعَدُّ المصافحة باليد دليلًا على الودِّ، والترحاب، والعديد من المشاعر الإيجابيَّة الأخرى، وتركِّز المدارس الدبلوماسيَّة المتخصِّصة في لُغة الجسد وكيفيَّة التعرُّف على كاريزما الشخص؛ لأنَّ كثيرًا ما نلاحظ بأنَّ بعض الأشخاص يضغطون على الكفِّ حينما يسلِّم على الشخص الآخر، وبعض الأحيان نرى العكس أو يسلِّم ويمسك أطراف الأصابع؛ لذلك تعاونت المدارس الدبلوماسيَّة مع بعض من علماء النفْس الاجتماعي لمعرفة علامات ودلالات أنواع المصافحة ومدى أهميَّتها في انعكاس لشخصيَّة الإنسان.

تختلف المصافحة باليد عن السَّلام بالكلام أو بالإشارة بدون مصافحة أو تلامس بالأيدي؛ حيث أثبت العلماء أنَّ يَدَ الإنسان تضمُّ أنواعًا مختلفة من الطَّاقة والأحاسيس التي يمكن أن تصلَ إلى الطرف الآخر بدون تعبير عنها باللِّسان أو الجوارح الأخرى. فأحيانًا نشعر عند مصافحة الآخرين بصدق الأحاسيس والحرارة المنبعثة من طريقة المصافحة. وعلى النقيض من ذلك، قد نجد برودة المشاعر أو الأحاسيس الزَّائفة التي تنبعث من طريقة المصافحة المختلفة، أو غير ذلك من مشاعر عديدة ومختلفة يمكن أن نتبيَّنَها أثناء مصافحة الآخرين بالأيدي.

تُعرف المصافحة على أنَّها الأخذ باليد بملاصقة باطن أو صفح الكفِّ مع باطن كفِّ شخصٍ آخر مع الإقبال عليه بالْوَجْه. وتُعَدُّ المصافحة باليد عادةً متوارثة بين البشر منذ قديم الزمان، وإن اختلفت أشكالها؛ حيث أشارت بعض النقوش والكتابات الهيروغليفيَّة إلى وجود المصافحة في الحضارة البابليَّة قَبل الميلاد بحوالي (1800) سنة. ويُشير العلماء إلى أن أصلَ المصافحة يُشير إلى خلوِّ اليديْنِ من السِّلاح والرَّغبة في المسالمة، وهذا يَضْمن عدم وجود نيَّات عدائيَّة لدى أحَد الطرفين؛ وبالتَّالي أصبحت المصافحة بالأيدي منذ قديم الزمان دليلًا على السَّلام والأمان، ثم تطوَّر معناها لِتصبحَ دليلًا على الودِّ والحُب أو تقديم الشُّكر أو الوداع، وغير ذلك من المعاني الأخرى. وجدير بالذِّكر أن هناك بعض الأحاديث النبويَّة الشريفة التي تُشير إلى أن المصافحة باليد بمعناها المعروف لدينا حديثًا هي في الأصل يمنيَّة، وهذا يدل على أن أهل اليمن عرفوا المصافحة باليد للتحيَّة والسَّلام أو الحُب والتقدير قَبل باقي القبائل العربيَّة.

وفقًا لبعض نظريَّات العالم فرويد الذي يعدُّ أنَّ كفَّ الإنسان تُعَدُّ مخزنًا للأسرار، وبالتَّالي فإن المصافحة باليد تنقل بعضًا من تلك الأسرار إلى الآخرين بصورة صادقة تعبِّر عنها طريقة المصافحة أو على النقيض من ذلك تحاول إخفاء العديد من المشاعر والتي قد تكشفها طريقة المصافحة أيضًا. وعليه، تتفاخر المدارس الدبلوماسيَّة بأنَّها تُدخل دبلوماسييها على مختلف الدرجات الوظيفيَّة بدورات وحلقات متخصِّصة في كيفيَّة المصافحة ومعانيها وأهميَّتها.

ومن هنا نوضح أهم أشكال المصافحة باليد والمشاعر التي تعبِّر عنها فيما يلي:

المصافحة بكلتا اليدين: لقد أثبتت بعض الدراسات التي أجراها علماء النفْس في أميركا أن المصافحة بكلتا اليدين تحمل أعلى درجة من الألفة والتقارب بين المتصافحين؛ حيث تترك شعورًا بالحميميَّة والودِّ والحُب الذي لا يمكن الحصول عليه من أيِّ شكل آخر من أشكال المصافحة أو التحيَّة، وتنقسم المصافحة بكلتا اليدين إلى قِسمين هما: المصافحة باليد ووضع اليد الأخرى فوق يد المصافح، وهذا النَّوع من المصافحة يُسمَّى مصافحة الدبلوماسيين، وهي تتميز بالتأكيد على الحُب والودِّ والتقدير المتبادل مع الدلالة على صفاء النفْس ونقائها. المصافحة باليد مع وضع اليد الأخرى على رسغ أو ذراع أو كتف المصافح الآخر: وهذا النَّوع من المصافحة يدلُّ دلالة بالغة على مدى الثقة والإخلاص المتبادل بين المتصافحين؛ ممَّا يُعَدُّ أعلى مراتب الودِّ والحُب. ويُشير علماء النفْس وفنِّ الدبلوماسيَّة إلى أنَّه كلَّما ارتفعت اليد الأخرى إلى أعلى ذراع المصافح كانت دليلًا واضحًا على شدَّة الإخلاص في الحُب والودِّ.

هناك مهارات يجب أن تكونَ عند الدبلوماسي أو يتحلى بها الشخص العادي، وكذلك عند أيِّ قائد أو مسؤول، مهما كان منصبه أو درجته، وهو إتيكيت المصافحة والتي لها الأثر الكبير في إظهار معاني العلاقة بين الاثنين، سواء على المستوى الرَّسمي أو المستوى الشخصي الاجتماعي ما لها من دلالات إيجابيَّة أو سلبيَّة على مستوى العلاقة المستقبليَّة.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت