الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 م - 10 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : شعار السلام بالشرق الأوسط يتهاوى ليسقط فـي جرف هار

في الحدث : شعار السلام بالشرق الأوسط يتهاوى ليسقط فـي جرف هار
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026 02:50 م

طارق أشقر

» شعار السَّلام بالشرق الأوسط يتهاوى ليسقط في جرف هار«... هذا العنوان يلخِّص قراءة استقصائيَّة لرسم توضيحي (كاريكاتوري) نشرته صحيفة «الوطن» للزميل ياسين الخليل في عدد الأربعاء السادس والعشرين من أغسطس (2026)، تظهر فيه حمامة تضع قدميها على غصن زيتون، فيما يستند طرفا الغصن إلى جانبَي جرف أرضي انهار جزء منه مُحدِثًا فجوةً عميقة تُهدِّد الغصن بالسقوط في قاع الهوَّة. وفي خلفيَّة المشهد تظهر عمليَّات قصف جوِّي تستهدف مباني ومواقع مختلفة، بينما كتب الرسَّام على جسد الحمامة عبارة »الشرق الأوسط.«

إنَّها لوحة تختزل بذكاء ساخر ومؤلم، واقع السَّلام في منطقة الشرق الأوسط التي ظلَّت لعقود تبحث عن مخرج من دائرة الصراع الدَّامي، لكنَّها وجدت نفسها في كثير من الأحيان أمام أزمات أكثر تعقيدًا ودمارًا وأقلّ قدرة على إنتاج حلول دائمة إمَّا لِتَعنُّت أو لعجزٍ سياسي.

فالحمامة في هذا الرَّسم (الكاريكاتير) بما تُمثِّله من رمز للسَّلام، لا تقف على أرض ثابتة، في حين أن غصن الزيتون المعروف بأنَّه رمز المصالحة والطمأنينة، لم يَعُد مستقرًّا في ظلِّ الرَّاهن السياسي، فكلاهما أصبحا فوق جرف مُهدَّد بالانهيار، فبهذا المشهد يتبين حقًّا بأنَّ السَّلام في الشرق الأوسط لا يواجه فقط خلافات سياسيَّة يمكن تسويتها عبر المفاوضات، بل يقف متأثرًا بتراكمات تاريخيَّة وأمنيَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة جعلت الأرض نفسها تبدو وكأنَّها تنزلق من تحت أقدام السَّلام.

والأخطر من ذلك أنَّ القصف المتكرر في المنطقة بأنحاء مُتعدِّدة من جغرافيَّتها لا يدمِّر الحجر وحده، بل يدمِّر حتى الثقة في إمكانيَّة الوصول إلى سلام بالمنطقة في يوم ما؛ وذلك لأنَّ كل حرب تترك وراءها حالات معقَّدة من فقدان الثقة والكراهية، وهي عوامل تجعل إعادة بناء السَّلام أكثر صعوبة من إعادة بناء المباني التي تدمِّرها الحروب.

لقد أثبتت التجارب أن السَّلام، الذي لا يعالج جذور النزاع بالشرق الأوسط، يظلُّ هشًّا وقابلًا للانهيار عند أول أزمة، وخير مثال على ذلك سلام اتفاقيَّات مدريد «الذي كان». كما أن الاتفاقات السياسيَّة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى واقع يشعر فيه إنسان الشرق الأوسط بالأمن والأمان، ثم يتحسَّس توافر فرص الحياة الطبيعيَّة بعيدًا عن الخوف والعنف.

إنَّ المستقبل لا يبدو مغلقًا تمامًا أمام السَّلام وذلك رغم قتامة المشهد، فما دام غصن الزيتون لم ينكسر وما دامت الحمامة لا تزال واقفة عليه، فإن هناك مساحة للأمل، غير أن الاستفادة من تلك المساحة يتطلب إرادة سياسيَّة لأطراف الصراع في الشرق الأوسط، شريطة أن تكونَ إرادة أقوى من مستوى القدرة على إدارة الأزمات وصولًا إلى معالجة الأسباب الحقيقيَّة لتلكم الأزمات وذلك من خلال تجاوز سياسة الهُدَن المؤقتة حتى يتمكنَ الجميع من بناء منظومة إقليميَّة تقوم على الحوار والتعاون والاحترام المتبادل.

المراقبون السياسيون يدركون بأنَّ الشرق الأوسط لا يحتاج إلى اتفاقيَّات تؤجِّل الانفجار بقدر ما يحتاج إلى مشروع سلام قادر على الصمود أمام الاختلافات دون الاعتماد على توازن الخوف، بل الارتكاز على توازن المصالح التي تحميها ثقة الأطراف في بعضها البعض لأجل الاستمرار في التنمية لأجل رفاهيَّة شعوب المنطقة.

كما تكتمل دلالة الرَّسم التوضيحي (الكاريكاتير) عندما نفهم بأنَّ الهوَّة العميقة ـ أي الجرف الهاري الذي كان واضحًا في الرَّسم ـ يمكن أن يُفهمَ منه أنَّه يُشير إلى هوَّة سياسيَّة ونفسيَّة اتَّسعت بين مَن كانوا يوصفون بأنَّهم أطراف سلام الشرق الأوسط خصوصًا «الإسرائيليين» والفلسطينيين، لذلك فإذا لم تبدأ عمليَّة ردم هذه الهوَّة، فقد لا تسقط حمامة السَّلام وحدها، بل قد يسقط معها آخر ما تبقَّى من الإيمان بأنَّ السَّلام بالشرق الأوسط بالإمكان حدوثه.

وعليه، فإن إنقاذ غصن الزيتون قَبل أن يهويَ في الهوَّة العميقة ـ أي بالجرف الهاري ـ قد يكون المهِمَّة الأصعب، لكنَّه أيضًا رُبَّما يكون الفرصة الأخيرة لكافَّة أنحاء الشرق الأوسط.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»