الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 م - 10 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : حين تصنع المهارة مستقبل الوطن

أضواء كاشفة : حين تصنع المهارة مستقبل الوطن
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026 02:54 م

ناصر بن سالم اليحمدي

ليس كل اقتصاد يُبنى بالمصانع والموانئ والمشروعات الكبرى وحدها. فخلف كلِّ آلةٍ تعمل، وكلِّ مشروعٍ ينتج، وكلِّ تقنيَّةٍ تتطور، وكلِّ خدمةٍ تصل إلى الناس، يقف إنسان يعرف ماذا يفعل وكيف يفعله، وكيف يستطيع أن يتعلم ما يحتاج إليه حين تتغير الأدوات وتتبدل المِهن.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقيَّة للتدريب المهني باعتباره أحَد الجسور الأساسيَّة التي تصل الإنسان باقتصاد بلاده وتصل التعليم بسوق العمل وتحوِّل المعرفة إلى مهارة التي تتحول إلى إنتاج الذي يتحول بِدَوْره إلى قِيمة مضافة في الاقتصاد والمُجتمع. فالدول لا تتقدم بما تملكه من موارد فقط، وإنَّما بما تملكه من قدرة على تحويل مواردها إلى إنتاج، وأفكارها إلى ابتكار، وتقنيَّاتها إلى حلول، وأبنائها إلى قوَّة منتِجة. وفي عالمنا المعاصر الذي يتغيَّر بسرعة أصبح الاستثمار في الإنسان أكثر إلحاحًا من أيِّ وقت مضى، وأصبح السؤال الحقيقي أمام منظومات التعليم والتدريب: هل نعدُّ أبناءنا للوظائف الموجودة اليوم؟ أم نمنحهم القدرة على التعامل مع وظائف الغد؟

إنَّ في بلادنا يأخذ هذا السؤال موقعًا واضحًا في مسار تطوير منظومة التدريب المهني التي أعلنت عنها وزارة العمل، لا سِيَّما مع خطَّة التطوير للفترة (2026-2030م) التي تستهدف إعادة مواءمة البرامج والتخصُّصات مع الأولويَّات الاقتصاديَّة واحتياجات سوق العمل، وتعزيز الجانب التطبيقي ورفع كفاءة البيئة المؤسَّسيَّة والتدريبيَّة وتوسيع الشراكة مع القِطاع الخاص. ولعلَّ الإعلان عن برنامج الدبلوم المهني المنفَّذ في المؤسَّسات التدريبيَّة الخاصَّة يُمثِّل إحدى الصوَر المهِمَّة لهذا التوجُّه. فالبرنامج ليس مجرَّد دورة قصيرة لاكتساب مهارة عابرة، وإنَّما مسار تعليمي وتدريبي قائم على نظام الكفاية لا تقلُّ مُدَّته عن سنتين، ويقع في المستوى السادس وفق الإطار الوطني للمؤهلات في سلطنة عُمان. وهنا يكون أمام خرِّيج دبلوم التعليم العام مسار مهني واضح يدخل من خلاله إلى تخصُّصات مهنيَّة معتمدة عالميًّا، ويكتسب مهارات تتصل باحتياجات سوق العمل، ثم يجد أمامه طريقين لا يتعارضان؛ أولهما الالتحاق بسوق العمل بعد استكمال متطلبات البرنامج، والثاني مواصلة الدراسة للحصول على مؤهل أعلى. فالعمل لا يعني نهاية التعلُّم، والشهادة ليست محطَّة أخيرة، وإنَّما يمكن أن تكونَ حلقة في مسار متدرج يتيح للإنسان أن يعملَ ويتعلمَ ويتطورَ في الوقت نفسه.

لا شك أن قِيمة التدريب المهني لا تكمن في عدد المتخرجين منه فقط، وإنَّما في نوعيَّة المهارات التي يحملونها إلى سوق العمل. فالعامل المؤهل مهنيًّا يمكنه أن يُسهمَ في رفع جودة الإنتاج، وتقليل الهدر، وتحسين السَّلامة، وزيادة الكفاءة، والاستفادة من التقنيَّات الحديثة. وحين تتوافر هذه المهارات على نطاق واسع فإن أثَرها لا يبقى داخل حدود الفرد أو المؤسَّسة، بل يمتدُّ إلى القِطاع الاقتصادي بأكمله.

ومن هنا يمكن فَهْمُ تأكيد وزارة العمل على أن تطوير التدريب المهني ينبغي أن ينطلقَ من قراءة مستمرَّة لاحتياجات سوق العمل الحاليَّة والمستقبليَّة، واستشراف التحوُّلات الاقتصاديَّة والتكنولوجيَّة. فالسوق الذي نعرفه اليوم لن يكونَ بالضرورة هو السوق نفسه بعد سنوات، وبعض المِهن ستتغيَّر أدواتها وبعضها ستتراجع الحاجة إليها وفي المقابل ستظهر مِهن جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة والاقتصاد الرَّقمي والصناعات الحديثة وغيرها. وبالتَّالي فإن التدريب المهني الناجح ليس الذي يعلم الإنسان كيف يؤدِّي مهِمَّة واحدة، وإنَّما الذي يمنحه الأساس الذي يجعله قادرًا على التعلُّم والتكيُّف كلَّما تغيَّرت المهِمَّة.

إنَّ التدريب المِهني في حقيقته استثمار في رأس المال البشري، أي في المورد الذي لا يمكن لأيِّ اقتصاد أن يُحققَ استدامته من دونه؛ فالشَّاب الذي يتعلم مهنة لا يحصل على فرصة للعمل فقط، بل يحصل على قدرة على الإنتاج والتطور، ورُبَّما يمتلك لاحقًا القدرة على تأسيس مشروعه الخاص أو تطوير مهارته إلى نشاط اقتصاديّ مستقل. ولهذا فإنَّ تنوُّع المسارات التدريبيَّة من برامج الدبلوم المِهني إلى برامج الكفاءة المِهنيَّة يفتح أبوابًا مُتعدِّدة أمام الشَّباب بحسب مستوياتهم واحتياجاتهم وقدراتهم. والاقتصاد بِدَوْره لا يحتاج إلى نوع واحد من الكفاءات. فهو يحتاج إلى المهندس والفنِّي والتقني والمشغِّل والمبرمِج والمختص في الصيانة والعامل في الخدمات والحِرفي وصاحب المشروع، وكل واحد من هؤلاء يُمثِّل حلقة في سلسلة الإنتاج.

لا شك أنَّه لا يمكن الحديث عن مواءمة التدريب مع سوق العمل من دون الحديث عن القِطاع الخاص. فأصحاب العمل هم الأقدر على تحديد المهارات التي يحتاجها الاقتصاد فعليًّا وهم الأقدر على اكتشاف الفارق بين المعرفة النظريَّة والقدرة على التطبيق. ولهذا تركِّز خطَّة تطوير منظومة التدريب المِهني على توسيع الشراكة مع القِطاع الخاص ليس باعتباره جهة تستقبل الخرِّيجين فقط، وإنَّما شريكًا في تحديد المهارات المطلوبة وتطوير التدريب العملي. والأرقام الواردة في مسار تطوير منظومة التدريب المِهني تكشف اتِّساع المشروع.

وفي رأيي أنَّ التحدِّي الأكبر الذي يواجه المسار المِهني والذي لا يقلُّ أهميَّة عن تطوير المناهج والتجهيزات وهو تغيير النظرة الاجتماعيَّة إلى التعليم المِهني. فحين يُنظر إلى هذا المسار باعتباره خيارًا أدنى يخسر المُجتمع جزءًا من طاقته البشريَّة؛ لأنَّه لا يمكن لمصنع أن يعملَ بالمهندسين وحدهم، ولا لمستشفى أن يعملَ بالأطباء وحدهم، ولا لميناء أو شركة تقنيَّة أو مؤسَّسة صناعيَّة أن تستغنيَ عن الفنِّيين والتقنيين وأصحاب المهارات التطبيقيَّة؛ فالاقتصاد المتوازن يحتاج إلى تنوُّع في المهارات بقدر حاجته إلى تنوُّع في القِطاعات. ومن هنا فإنَّ ترسيخ ثقافة التدريب المِهني يعني أن نعيدَ تعريف النجاح نفسه. فنجاح الإنسان ليس في اسم الشهادة وحده، وإنَّما فيما يعرفه وما يتقنه وما يستطيع أن يضيفَه إلى مُجتمعه.

إنَّ المستقبل لا يُبنى بالشعارات، وإنَّما بالمعرفة والمهارة والعمل. وكلَّما أتقن الإنسان مِهنته أتقن الوطن بناء مستقبله.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني