ينطلق حديثنا عن دَوْر التعليم في دراسة الظواهر المُجتمعيَّة وتحصين المُجتمع منها؛ باعتباره منظومة وعي وقائيَّة وعلاجيَّة؛ ففي البُعد الوقائي يعمل على تنشيط الأمن الفكري، وتعميق الحسِّ الأمني، وترسيخ الثقافة الأمنيَّة الواعية في سلوك المتعلم، وتقوية الوازع الدِّيني، وتعظيم قِيمة الذَّوق والجمال الفكري والنفسي، وتأصيل مفاهيم الصحَّة النفسيَّة. وهذه الإجراءات موجِّهات استراتيجيَّة تتطلب تضمينها في المناهج، والأنشطة، وأساليب التقويم، والبيئة التعليميَّة، بما يحوِّل المدرسة والجامعة إلى فضاء لبناء المناعة المُجتمعيَّة ضد ظواهر الشائعات، والابتزاز الإلكتروني، والاحتيال، والعنف، والتنمُّر. أمَّا في البُعد العلاجي، فيتطلب الأمر تَبنِّي استراتيجيَّات تشخيصيَّة تقوم على رصد الظواهر السلبيَّة، وتحليل أسبابها، ودراسة نطاقها الجغرافي، وفهم فئات الطلبة الأكثر تأثرًا بها، ثم بناء ممكنات تربويَّة ونفسيَّة واجتماعيَّة موجّهة لمعالجتها؛ فإن الميزة التنافسيَّة للتعليم في معالجة الظواهر السلبيَّة تبرز في ملازمته الإنسان منذ نعومة أظافره ومواكبته في مختلف مراحله العمريَّة والعمليَّة، وهذه الخصوصيَّة تمنح التعليم قدرة استثنائيَّة على التأثير في تشكيل الوعي القِيَمي والاجتماعي والاقتصادي، وترسيخ الثَّوابت، وبناء الهُوِيَّة الوطنيَّة، واستنهاض الروح الإيجابيَّة لدى الطلبة، وعندها تصبح المدرسة والجامعة بيئة نموذجيَّة لمحاكاة بيئة الوطن بكل تنوُّعاته، ومختبرًا لإدارة التباينات، وصناعة التناغم بين الأفكار والتطبيقات؛ ويتأكد هذا الدَّوْر في ظل التحدِّيات الفكريَّة والنفسيَّة والاقتصاديَّة، واتِّساع المهيِّجات أو البيئات الدَّاعمة لنُمو هذه الظواهر، في ظلِّ زيادة أعداد الباحثين عن عمل والمُسرَّحِين من أعمالهم، وغلاء المعيشة، وتَراكُم الضغوط النفسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة في حياة الأُسر المعسرة ومحدودة الدخل.
وهنا يظهر دَوْر البحث العلمي ومراكز الدراسات والبحوث الاجتماعيَّة والنفسيَّة والإنسانيَّة والتربويَّة؛ باعتبارها مختبرات لتشخيص هذه الظواهر والعُمق في فهمِ أسبابها ومسبِّباتها، في دعم جهود التعليم ومؤسَّساته بما يمكن أن تؤطِّرَه من تقديم الحلول القائمة على تَبنِّي البرامج التعليميَّة السَّاعية لرصدٍ إحصائيٍّ دقيقٍ للظواهر السلوكيَّة والفكريَّة والنفسيَّة في المدارس والجامعات، وتحليل العلاقات السببيَّة بين هذه الظواهر والمتغيِّرات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، وتعظيم فرص الاستفادة من قواعد البيانات الوطنيَّة والتقارير الرسميَّة والدوليَّة، ناهيك عن إشراك الطلبة أنفسهم في بحوث تشاركيَّة تُعزِّز حسَّ المسؤوليَّة لديهم. فإنَّ من شأن حضور مراكز البحوث الاجتماعيَّة في دائرة صناعة القرار يُعزِّز من الوصول إلى حلول أكثر مهنيَّة وواقعيَّة؛ فإيجاد مراكز وطنيَّة لقياس الاتِّجاهات والرأي العام، وتحليل الرسائل المرتجعة من البرامج التعليميَّة والإعلاميَّة، يُسهم في تقديم بيانات نوعيَّة تساعد صنَّاع القرار على بناء سياسات أكثر استجابة وواقعيَّة. وتحويل مراكز البحوث إلى مؤسَّسات تنفيذيَّة فاعلة يُعزِّز إدماجها في صياغة السياسات العامَّة، ويجعل نتائجها أكثر تأثيرًا في معالجة الظواهر السلبيَّة، الأمر الذي سيرفع من سقف مساهمة التعليم في إعادة هندسة السلوك الاجتماعي، بما يقوِّي من مناعة الفرد والأُسرة، ويُحقق أولويَّات رؤية «عُمان 2040»، عبر أولويَّاتها المتعلقة بالتعليم والبحث العلمي والمواطنة والابتكار.
وعليه، يصبح التعليم مشروعًا وطنيًّا لإعادة إنتاج الشخصيَّة العُمانيَّة، لِيصنعَ منها مواطنًا، منتجًا، معتمدًا على نفسه، يمتلك مشروعًا اقتصاديًّا، ويحترم القِيَم والعلاقات والالتزامات. وفي ظلِّ هذه التشابكات والعلاقات تتشكل علاقة جمعيَّة بين مهارات الثَّورة الصناعيَّة الرابعة والقِيَم الأخلاقيَّة، وبين العقليَّة التجاريَّة والبُعد الإنساني، وبين الكفاءة المهنيَّة والضمير الحي، معادلة القوَّة التي تُشكِّل جوهر التحوُّل المنشود، انطلاقًا من عمق العلاقة بين المهارة والقِيَم؛ فالتعليم الذي يصنع مهندسًا أو رجُل اقتصاد دون أن يصبغَ مهاراته بالقِيَم، قد يخلق فردًا ناجحًا مهنيًّا، لكنَّه يعيش حالة من الهشاشة الأخلاقيَّة، في حين يصنع التعليم المتكامل شخصيَّة راقية في تصرُّفاتها، حكيمة في قراراتها، قويَّة في تواصلها، مبدعة في طرحها، قادرة على تجاوز الإشكاليَّات بثقافة واسعة وروح قياديَّة. وبالتَّالي، مسار التكامليَّة والاندماج بين القِيَم بما تُمثِّله من منظومة مُجتمعيَّة قائمة على تعظيم أرصدة الأخلاق والمبادئ والسَّمْت العُماني والعادات الأصيلة والتقاليد النافعة المميزة للشخصيَّة العُمانيَّة في تسامحها وتوازنها الفكري، وبين المهارة بما تُمثِّله من جملة الممكنات والقدرات والاستعدادات والجاهزيَّة والكفاءة العلميَّة والمهنيَّة والعمليَّة التي تتَّجه إلى تطوير الممارسة والتثمير في الفرص وفق متطلبات اقتصاد المعرفة واحتياجات سوق العمل المتغيرة، بما ينسج خيوط التقاء ممتدَّة، تصنع من القِيَم والمهارة بوَّابة التعليم للدخول في المستقبل، وتصبح علاقة كل منهما بالآخر علاقة عضويَّة تكامليَّة يترتب على نُمو أحدها نموًّا في الآخر، وقِيمة مضافة تستثمر في هذا الرَّصيد النَّوعي الذي يحيا به المُجتمع وتتفاعل في ظلِّه منظوماته الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
إنَّ هذه المعطيات تُشكِّل أداة قوة تنقل التعليم من مجرَّد منظومة لنقل المعارف إلى كونه فضاءً وطنيًّا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وصياغة القِيَم، وتحصين المُجتمع ضد الظواهر السلبيَّة التي فرَضَتْها التحدِّيات الاقتصاديَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة المعاصرة. فالعادات الاستهلاكيَّة السلبيَّة، والرشوة، والاختلاس، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز، وانتشار ظاهرة الطلاق، والتنمُّر، وتصدُّعات العلاقات الأُسريَّة، فضلًا عن بعض الظواهر الفكريَّة كالإلحاد والتنمُّر الفكري عبر المنصَّات الاجتماعيَّة، وما يرتبط بذلك من أبعاد نفسيَّة خطيرة كتعاطي المخدِّرات والمؤثِّرات العقليَّة وغيرها من الظواهر التي تُمارس من قِبل بعض الطلبة، تضع التعليم أمام مسؤوليَّة إعادة هندسة موقع الفرد في المُجتمع، وتمكينه من أدوات المواجهة في ظلِّ فهمٍ عميق للدَّوْر التنويري للتعليم، ومن إدراك حجم التحوُّلات التي يعيشها المُجتمع العُماني في ظلِّ تسارع المتغيرات، وتنامي بعض الظواهر السلبيَّة التي باتت تؤثِّر في بنية الوعي المُجتمعي واستقرار الأُسرة وأمن المُجتمع؛ بالشكل الذي يضع على عاتق التعليم مسؤوليَّة: إعادة إنتاج المحتوى التعليمي بصورة جماليَّة وقِيَميَّة، بحيث يُصاغ في إطار يُعزِّز القِيَم والأخلاق، ويغرس الانضباط، ويحترم المشتركات، ويؤسِّس للحوار، ويصحِّح المفاهيم المغلوطة؛ بالإضافة إلى توظيف التقنيَّة توظيفًا واعيًا عبر تحويل المنصَّات الاجتماعيَّة إلى أدوات لإنتاج المعرفة، وبناء مشاريع الطلبة والتسويق للقِيَم والمهارات، وتعزيز التعلُّم الذَّاتي، والاستفادة من تقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي في تطوير مهارات الطلبة، مع تحصينهم ضد مخاطر الابتزاز والجرائم الإلكترونيَّة؛ إضافة إلى تعزيز المهارات النَّاعمة والجاهزيَّة لسوق العمل، وعبر بناء متعلم قادر على إدارة مشروعه الاقتصادي بكفاءة، واتِّخاذ قرارات حكيمة، والتعامل مع المخاطر بمهنيَّة، واحترام العلاقات الوظيفيَّة والاقتصاديَّة، والالتزام بالعقود والاتفاقيَّات، بما يربط المهارات المهنيَّة بالأبعاد الإنسانيَّة والأخلاقيَّة؛ وترسيخ القِيَم الأُسريَّة والاجتماعيَّة من خلال الإعلاء من قِيَم الزواج وبناء الأُسرة، ورفع مستوى الاعتراف بها في صناعة التوازنات المُجتمعيَّة، والتأكيد على صِلَة الرَّحم، وبِرِّ الوالدين، ورعاية الأُسرة؛ وتنشيط الإرشاد النفْسي والاجتماعي، لِيكونَ أكثر مهنيَّة واحترافيَّة، قائمًا على بيانات ودراسات، وقادرًا على التدخل المبكر في حالات التنمُّر، والاضطرابات النفسيَّة، والسلوكيَّات المنحرفة.
إنَّ التعليم في سلطنة عُمان، وهو يقف اليوم أمام تحوُّلات نوعيَّة في مَسيرة النهضة المُتجدِّدة، يحمل في أدواته وبرامجه وأولويّاته ـ في ظلِّ تنامي بعض الظواهر الفكريَّة والنفسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة ـ مسؤوليَّة تاريخيَّة في دراستها ومعالجتها، تمتد إلى بناء منظومة بحثيَّة وتشريعيَّة وتنفيذيَّة متكاملة، تقوم على الرَّصد والتشخيص، ووضع مؤشِّرات أداء قابلة للقياس، وخطط زمنيَّة واضحة، وتنسيق مؤسَّسي شامل؛ لذلك فإن المأمول من رؤية الدَّمج التي انتهجتها سلطنة عُمان، وعبر إنشاء وزارة التعليم، أن تتَّجهَ الجهود اليوم بشكل أكثر سلاسة وواقعيَّة في إدارة التحوُّل ووقوف التعليم على هذا الملف، وعبر دمج الجهود المؤسَّسيَّة، وربط التعليم بالبحث العلمي، وتكامل الأدوار بين المدرسة والأُسرة والمُجتمع الأهلي والمحافظات والمجالس البلديَّة، وخلق حوار اجتماعي مؤسَّسي تعليمي أُسري في الوقوف على هذه الظواهر وتحصين الأبناء، الأمر الذي يُؤكِّد أهميَّة تَبنِّي سياسات تعليميَّة متكاملة تُعزِّز الأمن الوقائي، وتربط المناهج بالقِيَم العُمانيَّة، وتواكب متطلبات الثورة الصناعيَّة الرابعة دون التفريط بالثَّوابت، وإنشاء أو دعم مراصد تعليميَّة واجتماعيَّة لرصد الظواهر السلبيَّة في البيئة المدرسيَّة والجامعيَّة، وتحليل بياناتها بصورة دوريَّة، وتشكيل فِرق عمل مشتركة مع المحافظين لدراسة الظواهر الأكثر أولويَّة في كل محافظة، وفق خصوصيَّتها الثقافيَّة والاجتماعيَّة، وتحويل نتائج البحوث التربويَّة إلى سياسات تنفيذيَّة قابلة للقياس، عبر مؤشِّرات أداء واضحة، وخطط زمنيَّة مُحدَّدة.
وهنا تتجلى روح الاستجابة للتَّوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي رسم ـ وعبر خِطاباته السَّاميَّة وتوجيهاته الحكيمة ـ خطوط معالجة واضحة المعالم، تقف على الظواهر المُجتمعيَّة تشخيصًا ورصدًا، وتحليلًا، ومعالجةً، وبناء منهجيَّات مبتكرة للتعامل معها؛ فإن استلهام هذه التَّوجيهات يمنح التعليم دَوْرًا محوريًّا في قيادة هذا المسار.
د.رجب بن علي العويسي