الاثنين 21 سبتمبر 2026 م - 9 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : عندما تتحول الصحة النفسية فـي المؤسسات إلى برنامج عمل وسلوك مستدام

في العمق : عندما تتحول الصحة النفسية فـي المؤسسات إلى برنامج عمل وسلوك مستدام
الاثنين - 21 سبتمبر 2026 02:56 م

د.رجب بن علي العويسي

يرتبط موضوع الصحَّة النفسيَّة في المؤسَّسات بمنظومة متكاملة من المعايير والسياسات التي ينبغي أن تلتزمَ بها المؤسَّسة لضمان فاعليَّة جهودها واستدامة أثَرها؛ لضمانِ بناء حالة مستقرَّة من التوازنات الفكريَّة والعاطفيَّة والاجتماعيَّة والتنظيميَّة بالمؤسَّسات، تنبع من كفاءة الخطط، ووضوح المنهجيَّات، ومرونة بيئة العمل، وقدرتها على التفاعل مع احتياجات المؤسَّسة وطموحات العاملين فيها، وعندها يصبح المُجتمع الوظيفي أكثر قدرة على التكيُّف مع التحوُّلات الحاصلة في منظومة الأداء واستراتيجيَّات العمل، وأكثر رغبة في الإنجاز والالتزام، وأكثر قدرة على استثمار الفرص وتحويلها إلى مساحة للمتعة والإبداع.

من هنا تُشكِّل الصحَّة النفسيَّة القوَّة النَّاعمة في تحقيق منتج وظيفي عالي الجودة وعالي التأثير، وتؤسِّس لمعادلة التوازن في بناء الموظف المنتج والمسؤول، إذ تربط بين قدراته ومشاعره، وشغفه والتزامه وإنتاجيَّته ومبادرته، فتفتح أمامه آفاقًا جديدة للعطاء المستدام والإنجاز المُتجدِّد. وعندما يشعر الموظف بأنَّ المؤسَّسة تُمثِّل بيته الثاني، وأن مهِمَّته التي يمارسها تحوَّلتْ في نظر المسؤول إلى رسالة ينطلق منها في استشراف مستقبل المورد البشري بمؤسَّسته وتعظيم حضور الكفاءة والقدوات والنماذج والمخلصين، عندها تتولد لدى الموظف مشاعر عالية في الولاء والانتماء، ودافعيَّة ذاتيَّة للتميُّز والإبداع.

ولذلك لم يَعُد الاهتمام بالصحَّة النفسيَّة للموظف وحضورها في مُكوِّنات الوظيفة العامَّة ترفًا مؤسَّسيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العمل الحديثة والتحوُّلات المتسارعة في إدارة الموارد البشريَّة وبناء الرأسمال الاجتماعي البشري المواطن، الأمر الذي يضع المؤسَّسات أمام مسؤوليَّة وضع سياسات واضحة واستراتيجيَّات عمليَّة تجعل الصحَّة النفسيَّة جزءًا من ثقافتها التنظيميَّة وبنيتها التواصليَّة، من خلال بناء أساليب توافقيَّة تَضْمن دمج الموظف في منظومة العمل، والارتقاء بمهنيَّة الإدارة، وتجديد الخِطاب الإداري، وتنويع أساليب التَّوجيه، وتعزيز الحوار، وإشراك الموظفين في صُنع القرار؛ إنها تعني إعادة إنتاج البيت الداخلي للمؤسَّسة بطريقة تحافظ على مساحات القوَّة والأمان والإنجاز والإيجابيَّة والتفاؤل حاضرة في سلوك الموظف مهما تَعدَّدت المواقف واختلفت الظروف، فكلَّما شعر الموظف بأنَّ المؤسَّسة تحترم مشاعره، وتقدِّر جهوده، وتتابع إنجازاته، وتقدِّم له التسهيلات التي ترفع من مستويات العطاء والابتكار والتقدُّم لديه، ازداد انتماؤه إليها، وانخفضت لديه مشاعر القلق والخوف على مستقبله الوظيفي، وتحوَّل من مجرَّدِ منفِّذ للمهام إلى شريك مؤثِّر يترك بصمة تنمويَّة تُعزِّز ثقافة المبادرة والابتكار، وقَبول التغيير واحترام المسؤوليَّة والمسؤول.

إنَّ من بين المرتكزات التي يمكن اعتمادها كمؤشِّرات في سبيل وجود مسارات واضحة في أساليب العمل وأدواته يستطيع خلالها الموظف التكيُّف مع طبيعة التحوُّل في الأداء واستراتيجيَّات العمل وجوانب التطوير، نُشير إلى الآتي:

ـ أن تهيئَ المؤسَّسات ـ في سبيل تحقيق هذه المعادلة وبناء الأُطُر التنظيميَّة والهيكليَّة والتواصليَّة المعززة لنُمو الصحَّة النفسيَّة ـ بيئة عمل مَرِنة تساعد الموظف على التكيُّف مع متطلبات التطوير، وتدعم إدارة المشاعر، وتحدُّ من السلبيَّة، وتُعزِّز روح المبادرة. ذلك أنَّ ارتفاع مستوى الصحَّة النفسيَّة يُعزِّز الثقة بالنفْس، ويرفع مستوى الرضا الوظيفي، ويزيد من القدرة على توظيف المهارات والخبرات، ويحوِّل ثقافة العمل إلى ثقافة إيجابيَّة تقوم على التفاؤل، والاحترام، والأخلاق المهنيَّة، بما ينعكس مباشرة على جودة الأداء والإنتاجيَّة، مع ما يتطلبه ذلك من مراجعة لمؤشِّرات التطبيق في مدوَّنة السلوك المهني والوظيفي، وإثراء المحتوى المهني، وتعظيم أساليب الإدارة المرنة، وأنماط القيادة القائمة على الانتقال إلى موقع التنفيذ، وآليَّات التواصل، وطريقة التعامل مع المواقف اليوميَّة بين الموظفين ورؤسائهم، بما يرسِّخ شعور الموظف بأنَّه شريك في صناعة القرار، ومتفاعل مع متطلبات التنفيذ، ويحظى بالاهتمام والمتابعة والتقدير.

ـ إنَّ بناء التوازن النفسي والعاطفي والفكري يُمثِّل فرصة حقيقيَّة لترسيخ الاستدامة السلوكيَّة داخل المؤسَّسات، خصوصًا في ظلِّ التحدِّيات الاقتصاديَّة التي فرضت تقليص بعض المزايا الماليَّة، مثل وقف الترقيات أو تقليل المكافآت والبرامج التحفيزيَّة. وفي مثل هذه الظروف تصبح الحاجة مُلحَّة إلى بدائل غير ماديَّة تحافظ على دافعيَّة الموظف، مثل الكلمة الطيِّبة، والقيادة الحكيمة، والاحترام، والتقدير، والعدالة المؤسَّسيَّة، وتطوير برامج التثقيف، وإدارة الذَّات، والتعامل مع الضغوط، وبناء رسائل إعلاميَّة إيجابيَّة، وتقديم فرص التكريم وفق الجدارة والاستحقاق، والإشادة بالمنجزات الفرديَّة، والاهتمام بالمواهب، واحتضان المبادرات، وتَبنِّي لُغة حواريَّة راقية تُعزِّز المَحبَّة والثِّقة والتواصل الفاعل بين جميع العاملين.

ـ إعادة ضبط دَوْر الموارد الماليَّة والموازنات بالمؤسَّسات للحفاظ على مستوى تحقُّق الصحَّة النفسيَّة؛ باعتبارها قِيمة مضافة في أداء المؤسَّسة وبالتَّالي البحث عن بدائل تحافظ على مستوى الإنجاز بعيدًا عن التأثيرات السلبيَّة للظروف الماليَّة من خلال تعزيز الاستثمار في المورد البشري والرأسمال المؤسَّسي في التدريب والتأهيل والتوعية والتثقيف، وتوجيه الممكنات الذاتيَّة وتعزيز انطلاقتها في بيئة المؤسَّسة وخارجها، فالمؤسَّسات التي تستثمر في بناء بيئة إنسانيَّة داعمة، وتنوِّع برامجها في التثقيف، وإدارة الذَّات، والتهيئة للمواقف، وتُعزِّز ثقافة الشكر والتقدير، وتُتيح فرص المشاركة المحليَّة والدوليَّة، وتحتفي بالقدوات والإنجازات، تكون أكثر قدرةً على الحفاظ على طاقات موظفيها، وإعادة تشكيل أفكارهم بصورة إيجابيَّة، وتعزيز انتمائهم للمؤسَّسة وإيمانهم برسالتها.

ـ تعزيز وجود قواعد بيانات دقيقة للمواهب والخبرات والقدرات في المؤسَّسة، يُمثِّل ركيزةً مهِمَّة لتعزيز الصحَّة النفسيَّة، لأنَّه يُتيح تصميم برامج تُراعي الفروق الفرديَّة، وتُعالج احتياجات الموظفين وفق خصوصيَّة كل حالة، مع ترسيخ ثقافة العمل الجماعي، وتقاسم الأدوار، وتفعيل فِرق العمل المتخصِّصة، وتوسيع دائرة الشراكات الداخليَّة. وعندها تتجاوز الصحَّة النفسيَّة مجرَّد الحدِّ من الضغوط والرتابة إلى بناء ثقافة مؤسَّسيَّة تجعل الموظف عنصرًا فاعلًا في صناعة التحوُّل، وقادرًا على توجيه الأداء، وتعزيز قِيَم المبادرة، والقدوة، والابتكار، بما يرفع من تنافسيَّة المؤسَّسة ويُعزِّز حضورها.

ـ تقنين السلوك الوظيفي عبر إعادة تصحيح المفاهيم الموجَّهة نحو الصحَّة النفسيَّة وربطها بحالة من عدم الاستقرار التي يعيشها الفرد، أو المرض النفسي أو التقلُّبات الشخصيَّة، الأمر الذي انعكس سلبًا على قناعة المسؤول والمؤسَّسات عند الحديث عن الصحَّة النفسيَّة، وبالتَّالي تغيير المفاهيم السلبيَّة المرتبطة بها، وترسيخها وتأصيلها في كونها ثقافة عمل وليست مبادرة مؤقتة أو ممارسة مرتبطة بمزاج المسؤول ورغبته، ولا ينبغي أن يُفهمَ منها على أنَّها دعوة إلى التَّسيُّب الوظيفي أو الاتكاليَّة أو منح المشاعر فرصة النُّمو على حساب المهام الوظيفيَّة، وإنما استثمار في الإنسان، وتعزيز لقدراته، وبناء لطاقاته، وتطوير لاستعداده المِهني.

ـ حوكمة برامج الصحَّة النفسيَّة في بيئة عمل المؤسَّسات، بحيث تتحول إلى إطار مؤسَّسي تحكمه تشريعات واضحة، واستراتيجيَّات دقيقة، ومؤشِّرات للقياس والرَّصد والتقييم، بما يَضْمن متابعة مستوى التقدُّم في تحقُّق معايير الصحَّة النفسيَّة في بيئة العمل، مع الاستفادة من البرامج والمحكَّات والمعايير الدوليَّة ومواءمتها مع بيئة العمل بالمؤسَّسات، وتحديد البرامج التي تحتاجها المؤسَّسات لترسيخ هذه الثقافة في سلوك العاملين. ومن هنا تبرز أهميَّة أن تتبنى مؤسَّسات الجهاز الإداري للدَّولة والشركات برامج وتشريعات متخصِّصة للصحَّة النفسيَّة، كأحَد مرتكزات جودة الأداء المؤسَّسي واستدامة الإنتاجيَّة، بما من شأنه أن يُعزِّزَ بناء ثقافة مؤسَّسيَّة قائمة على الاحترام، والثقة، والعدالة، والابتكار، الأمر الذي يجعل من الصحَّة النفسيَّة في بيئة المؤسَّسات مسار حياة وبرنامج عمل، وسلوك يومي، وقِيمة مؤسَّسيَّة راسخة تُسهم في بناء مؤسَّسات أكثر كفاءةً وإنسانيَّةً وقدرةً على الوفاء بالتزاماتها الإنسانيَّة، وتحقيق التحوُّلات المؤسَّسيَّة والرَّقميَّة والنفسيَّة في بيئة العمل.

أخيرًا، فإنَّ التعامل مع مفهوم الصحَّة النفسيَّة في بيئة العمل بمزيدٍ من المرونة والأريحيَّة والشفافيَّة بعيدًا عن التكلُّف والتصنُّع الذي يولِّد حالة من الازدواجيَّة وعدم الاستدامة، سوف يَضْمن الوصول المتدرج إلى تطبيق برامج الصحَّة بمؤسَّسات الجهاز الإداري للدَّولة وحضورها في قانون الوظيفة العامَّة ومنظومة إجادة، ولجان شؤون الموظفين ودوائر الموارد البشريَّة ودوائر الإعلام والاتِّصال وغيرها، وتعظيم أثَر هذا السُّلوك في حياة المُجتمع الوظيفي، فالمكافآت النفسيَّة القائمة على رفع المعنويَّات والإحساس بالموظفين أعظم أثرًا في سلوك الموظف. كما أنَّ أسلوب الذَّوق وإدارة المشاعر والتعامل معه كعضو في فريق العمل والنهوض بقدراته والثقة فيها وتمكينه من إدارة متطلباته المهنيَّة ومراعاة الظروف التي يمرُّ بها، وتعزيز العدالة المهنيَّة وخلق مناج مؤسَّسي يُعزِّز نمو الطاقات الإيجابيَّة وتغيير القناعات السلبيَّة واستنهاض الدوافع واستنطاق القِيَم والأخلاقيَّات عبر برامج تدريبيَّة وتأهيليَّة متخصِّصة ومستدامة وتعريض الموظف لمواقف محاكاة للواقع، سوف يكون لها انعكاساتها على كفاءة أداء الموظف وإنتاجيَّة المؤسَّسة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]