الاثنين 21 سبتمبر 2026 م - 9 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

النافذة المفتوحة.. وصحتنا !

النافذة المفتوحة.. وصحتنا !
الاثنين - 21 سبتمبر 2026 02:55 م

د. يوسف بن علي الملَّا

نادرا ما نفكر كأفراد أو أسر في الهواء الذي نتنفسه داخل بيوتنا. ولكننا نفتح النافذة حين تزعجنا رائحة الطبخ، ونغلقها حين يشتد الحر في مجتمعنا، ثم ننسى الموضوع كله. والنقطة الأهم هنا والتي قد نغفل عنها أننا كبشر نقضي نحو تسعين بالمئة من وقتنا داخل المباني، وأن البيت هو المكان الأطول بقاء فيه، وهذا يعني أن جودة الهواء الداخلي ليست تفصيلا هندسياً -ان صح لي القول -، بل بكل تأكيد عامل صحي يتراكم أثره بصمت عاما بعد عام!

وهنا تأتي فكرة التهوية، والتي حقيقة أصلها بسيط، حيث يخرج الهواء المستهلك ويدخل مكانه هواء أنقى. ونحن جالسون في غرفة مغلقة، نضخ فيها ثاني أكسيد الكربون مع كل زفير، ويضيف الطبخ والمنظفات والأثاث والسجاد طبقات أخرى من الجسيمات الدقيقة والمركبات العضوية المتطايرة، وهكذا لا يجد هذا الخليط طريقه للخروج، فأين سيذهب… أكيد سيظل بيننا!؟ وهنا أذكر أن مجلة طبية معنية نشرت في عام ٢٠١١دراسة تؤكد أن ضعف التهوية يرتبط بزيادة أعراض الجهاز التنفسي والحساسية، بل وبارتفاع معدلات العدوى التنفسية. ناهيك أيضا عن الرطوبة فهي حكاية أخرى، حيث تبدأ من دورات المياه -أعزكم الله - والمطبخ وتنتهي أحيانا ببقع سوداء خلف الخزانة. وهنا تحديدا بينت منظمة الصحة العالمية خطورة الرطوبة والعفن داخل المباني وزيادة أخطار الربو والسعال بنسبة تتراوح بين ثلاثين وخمسين بالمئة!

ثم نأتي لموضوع المطبخ، وهي ربما الغرفة التي نستهين بها كثيرا. فالطهي خصوصا كالقلي وعلى مواقد الغاز، يطلق جسيمات دقيقة وثاني أكسيد النيتروجين وأحياناً أول أكسيد الكربون. وهنا دراسة اجزم أنها ليست متكاملة حيث اعتمدت على الإحصاء لا على تجربة مباشرة، ومع ذلك نشرت في عام ٢٠٢٣م وقدرت أن نحو ثلاثة عشر بالمئة من حالات الربو الطفولي الحالية في الولايات المتحدة يمكن أن تنسب إلى استخدام مواقد الغاز!

بينما جاءت دراسة أخرى بجامعة هارفارد عام ٢٠١٦ ميلادية لتبين بأن العاملين في بيئة جيدة التهوية وقليلة الملوثات حصلوا على درجات أعلى بكثير في اختبارات التفكير والتركيز. وفي غرف النوم تحديدا وجدت دراسة دنماركية أن من ناموا في غرفة جيدة التهوية ناموا بعمق أكبر وكانوا أكثر انتباها في اليوم التالي. وهنا أقول بأنه ربما ذلك الصداع الصباحي والشعور بالثقل مجرد رسالة أخرى من هواء لم يتجدد طوال الليل.

بطبيعة الحال غيرت جائحة كورونا نظرتنا إلى الموضوع أيضا. فبعد أن زادت الأدلة على انتقال الفيروس عبر الهواء، بدى لي بشكل واضح بأن التهوية في منازلنا ركيزة أساسية للوقاية من العدوى التنفسية. وعليه فالدرس هنا لا يخص كورونا وحدها، فهو ينطبق على الإنفلونزا وفيروسات الشتاء التي تنتقل بين أفراد الأسرة الواحدة.

ولكي أكون عمليا في طرحي، فنحن لا نحتاج إلى أنظمة معقدة. فقط قم بفتح النوافذ عشر إلى خمس عشرة دقيقة مرتين في اليوم، مع تهوية متقابلة بين نافذتين إن أمكن. وأيضا كم ندرك جميعا استخدام مراوح الشفط في المطبخ -مثلا- ينبغي أن تخرج الهواء إلى الخارج وأن تعمل أثناء الطهي وبعده. وفي منطقتنا حيث الحر والغبار، تكون الساعات الأنسب هي الفجر والمساء على سبيل المثال. ولا ننسى طبعا تنظيف مرشحات (فلتر) المكيفات بشكل دوري، خصوصا وأن المكيف الذي يعيد تدوير الهواء نفسه من دون تجديد قد يصبح جزءا من المشكلة.

ختاما، يبقى أن نعي بأن التهوية لا تعالج كل شيء. فمصدر التلوث أهم من طريقة التخلص منه، ولذلك يكون تقليل المصدر أولا هو الأفضل! فالواجب تقليل المصدر هنا وتجديد الهواء، وبشكل ما سيتحسن التنفس والنوم والتركيز ويقل خطر العدوى.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]