الاثنين 21 سبتمبر 2026 م - 9 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : تشريع يعزز الثقة ويرفع تنافسية الاستثمار

الاثنين - 21 سبتمبر 2026 03:00 م

رأي الوطن

يُمثِّل صدور اللائحة التنفيذيَّة لقانون المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة خطوةً نوعيَّة في مسار بناء بيئة استثماريَّة عُمانيَّة أكثر وضوحًا وكفاءةً وقدرةً على المنافسة، ويُظهر نهجًا وطنيًّا يدرك أنَّ جذب رؤوس الأموال لا يتحقق بالحوافز وحْدَها؛ فهو يحتاج كذلك إلى منظومة تشريعيَّة تمنح المستثمر الثقة والاستقرار والقدرة على اتِّخاذ قراره وفق قواعد معلومة وإجراءات مُحدَّدة. وتأتي اللائحة استكمالًا للقانون الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم (38/2025)، لِتُؤكِّدَ أنَّ سلطنة عُمان لا تكتفي بعرض الفرص الواعدة التي تمتلكها مناطقها الاقتصاديَّة والحُرَّة، وإنَّما تهيئ لها إطارًا تنفيذيًّا يحميها ويدعم استدامتها. وتلك الرؤية المؤسَّسيَّة تبرهن على نضج الإدارة الاقتصاديَّة، وقدرتها على تحويل التوجُّهات الوطنيَّة إلى أدوات عمليَّة تُعزِّز تنافسيَّة الاقتصاد، وتمنح المستثمر المحلِّي والأجنبي أسبابًا أقوى لاختيار سلطنة عُمان مقرًّا لمشروعاته وتوسعاته.

ولعلَّ القِيمة الأبرز للائحة تكمن في إعادة تنظيم رحلة المستثمر بوصفها معيارًا حقيقيًّا لكفاءة بيئة الأعمال، بداية من تخصيص الأرض أو العقار والحصول على التراخيص، مرورًا بالتشغيل والخدمات والحوافز، وصولًا إلى الالتزامات والرقابة والامتثال. ويؤسِّس ترسيخ دَوْر المحطَّة الواحدة، وربطها إلكترونيًّا بالجهات المعنيَّة، لمرحلة تتراجع فيها المسافات الإداريَّة أمام المستثمر، وتتقدم خلالها سرعة الإنجاز وتكامل البيانات ووضوح المسؤوليَّات. كما يعكس تفعيل السَّداد الإلكتروني وحماية سريَّة المعلومات تطوُّرًا يتجاوز رقمنة المعاملات إلى بناء تجربة استثماريَّة متكاملة تحترم الوقت، وتخفض التكلفة، وترفع مستوى اليقين. وبهذا، تصبح المحطَّة الواحدة واجهةً تُعبِّر عن كفاءة الجهاز الإداري وقدرته على مواكبة المنافسة الإقليميَّة المتزايدة على استقطاب الاستثمارات.

ويأتي منح المشروعات الاستراتيجيَّة إطارًا أكثر مرونةً لِيكشفَ عن تحوُّل مُهمٍّ في السياسة الاستثماريَّة العُمانيَّة، يقوم على استهداف نوعيَّة الاستثمار وأثَره في الاقتصاد الوطني؛ فالمشروع الاستراتيجي الحقيقي هو الذي ينقل المعرفة والتقنيَّة، ويخلق فرص عمل نوعيَّة، ويُعزِّز المحتوى المحلِّي، ويدعم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، ويفتح مساراتٍ جديدةً للصادرات. ومن هذا المنطلق، تكتسب المعايير الواضحة للتعامل مع تلك المشروعات أهميَّتها؛ لأنَّها تساعد على توجيه التسهيلات والحوافز نحو الأنشطة الأكثر ارتباطًا بالأولويَّات الوطنيَّة والقِطاعات الاقتصاديَّة الجديدة، وهو ما يُؤكِّد ثقة سلطنة عُمان بمُقوِّماتها وموقعها وبنيتها الأساسيَّة، ويبرهن على انتقالها من انتظار الاستثمارات إلى اختيار المشروعات القادرة على صناعة قِيمة اقتصاديَّة وتنمويَّة ممتدَّة.

إنَّ قوَّة اللائحة تظهر كذلك في تحقيق التوازن بين جاذبيَّة الاستثمار وحماية الحقوق، من خلال تنظيم التطوير العقاري، والبيع على المخطط، والتَّملُّك الحُر، وحسابات الضمان، وإقامة المستثمرين وملاك الوحدات غير العُمانيين؛ فحماية أموال المشترين وضبط عمليَّات الترويج والصَّرف تُعزِّزان الثقة، وتحدَّان من المخاطر، وتُؤكِّدان أنَّ التسهيل لا ينفصل عن الرقابة والامتثال. ويهيئ هذا التكاملُ المناطقَ الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة للتحوُّل إلى مُجتمعات إنتاج واستثمار وإقامة متكاملة، قادرة على احتضان قِطاعات متنوِّعة، واستقطاب الكفاءات ورؤوس الأموال. وتمضي سلطنة عُمان بهذه المنظومة خطوةً واثقةً نحو ترسيخ مكانتها وجهةً استثماريَّة موثوقةً، وتحويل مناطقها الاقتصاديَّة والحُرَّة إلى محرِّكات للتنويع والنُّمو والقِيمة المضافة، بما يدعم مستهدفات «رؤية عُمان 2040»، ويمنح الاقتصاد الوطني مساحةً أوسع للحضور والمنافسة.