الاثنين 21 سبتمبر 2026 م - 9 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

نرسم لهم الغد بأقلام الأمس

نرسم لهم الغد بأقلام الأمس
الاثنين - 21 سبتمبر 2026 02:52 م

إبراهيم بدوي

بعد الظهور الطَّاغي للذَّكاء الاصطناعي في حياتنا، وتوقّع كثيرين اندثار مهن نتيجة قدوم هذا الضيف الثقيل، تحدثتُ في أكثر من مقال عن دوره وتأثيره، لكنَّني هذه المرَّة توقفتُ أمام الأمر بصورة مختلفة عقب حوار دار بيني وبين ابني حول مهنته المستقبليَّة؛ فقد وجدتني أحدِّثُه عن مهن عصرنا، وأضع أمامه الاختيارات التقليديَّة نفسها: طبيبًا، أو مهندسًا، أو غيرهما من المهن التي ظل مُجتمعنا يضع أصحابها في مقدِّمة الصفوف. ثم انتابني شعور غريب وأنا أتأمل المسافة بين الزمن الذي صنعت فيه هذه الصورة والزمن الذي سيبدأ فيه أبناؤنا حياتهم العمليَّة، وتساءلتُ في داخلي: إن كانت تلك المِهن بصورتها الحاليَّة ستظل متصدرةً للواجهة الاجتماعيَّة، وإن كان بعضها سيبقى موجودًا من الأساس؟ واكتشفتُ أنني كنتُ أرسم له غدًا بأقلام الأمس، وأطالبه بالاستعداد لعالم جديد مستخدمًا خريطة مهنيَّة قديمة ورثناها عن آبائنا.

لا أعتقد أن الطبيب أو المهندس أو الصحفي سيختفون من الحياة، على الأقل في مستقبل أولادي المنظور، لكنني أوقن أن الطبيب الذي سيعمل بعد عشرة أعوام لن يكونَ نسخةً من طبيب اليوم، وكذلك المهندس والصحفي والمحاسب والمُعلِّم؛ فالأدوات تتغيَّر، وأجزاء واسعة من الأعمال الروتينيَّة تنتقل إلى الأنظمة الذكيَّة، فيما تصبح قِيمة الإنسان مرتبطةً بما يملكه من قدرة على التفكير والإبداع والتعامل مع المُشْكلات. ورُبَّما تكمن المعضلة الحقيقيَّة في أننا ما زلنا نسأل أبناءنا عن اسم الوظيفة التي يريدونها، ولا نسألهم عن المهارات التي يرغبون في امتلاكها؟ وما زلنا نقيس نجاحهم باللقب المكتوب قبل الاسم، مع أن سوق العمل بدأ ينظر إلى ما يستطيع الشخص إنجازه بعد الاسم؛ فالشهادة قد تمنح صاحبها فرصة الدخول، لكن المهارة هي التي تمنحه القدرة على البقاء والتطور.

ومن هنا قرأتُ باهتمام حديث وزارة العمل عن خطَّة تطوير منظومة التدريب المهني للفترة من (2026) إلى (2030)، ولم أتوقف كثيرًا أمام أرقام المشروعات أو الملايين المرصودة لها، بقدر ما توقفتُ أمام فكرة الانتقال من الاستجابة لاحتياجات السوق الحاليَّة إلى استشراف المهن المقبلة؛ فمِهن المستقبل ليست جميعها خلف شاشات الحاسب، كما قد يتصور البعض؛ إذ سيحتاج الاقتصاد العُماني إلى فنيين في الطاقة المُتجدِّدة، والهيدروجين، والمَركبات الكهربائيَّة، والتحكم الصناعي، وإدارة المياه، والزراعة الذكيَّة، والخدمات اللوجستيَّة، وسيحتاج إلى عقول تفهم التقنيَّة، وأيدٍ تُجيد استخدامها. ولهذا، لم يَعُد التدريب المِهني طريقًا أقلّ شأنًا من التعليم الأكاديمي، وإنما أصبح أحَد أكثر الطرق اتصالًا بالاقتصاد الحقيقي، وقد يكون الفنِّي المتخصص غدًا أكثر طلبًا، ودخلًا، وتأثيرًا من حامل شهادة جامعيَّة لا يحتاج السوق إلى تخصُّصه.

وحتى تنجحَ تلك الرؤية، ينبغي ألَّا تظلَّ الكليَّات المهنيَّة وحدها تحاول تخمين احتياجات الشركات؛ فالقِطاع الخاص يعرف الآلات التي ستدخل المصانع، والتقنيَّات التي ستستخدمها المشروعات، والمهارات التي سيبحث عنها أصحاب العمل. ثم، يجب أن يدخلَ إلى قاعة التدريب شريكًا في تصميم البرامج، والتطبيق العملي، والتقييم، والتشغيل. وهناك العديد من التجارب الناجحة في هذا الصَّدد، وعلى رأسها التجربة الألمانيَّة القائمة على الجمع بين الدراسة المهنيَّة والتدريب العملي داخل الشركات. كما نحتاج ـ نحن الآباء ـ إلى مراجعة قاموسنا المِهني، وأن نتوقفَ عن إعداد أبنائنا لوظيفة واحدة يمارسونها طوال حياتهم؛ لأنَّ أبناءنا قد ينتقلون بين مِهن عدَّة، وقد يعملون في وظائف لم تظهر أسماؤها بعد. خرجتُ من حواري مع ابني دون أن أحدِّدَ له المهنة المناسبة، لكنَّني أدركتُ أن أفضل ما يمكن أن أقدمَه إليه ليس اسم وظيفة أختارها وفق مقاييس جيلي، وإنما عقل يتعلم، ومهارة تتطور، وشجاعة تجعله قادرًا على صناعة مكانه في عالم تتغيَّر قواعده، واختيار مهنة تتناسب مع ما يمتلكه من مهارات.

إبراهيم بدوي

[email protected]