ليس جديدًا أن يكونَ اليمن حاضرًا في وجدان سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ـ المفتي العام لسلطنة عُمان، وبيانه الأخير بشأن ما يجري في اليمن ليس موقفًا طارئًا فرَضَتْه تطوُّرات اللحظة، وإنما يأتي امتدادًا لمواقف سابقة ظلَّ فيها صوت الشيخ واضحًا في الدَّعوة إلى حقن الدماء، ووحدة الصَّف، وإصلاح ذات البَين، ورفض تحويل الخلافات السياسيَّة إلى اقتتال يستنزف الإنسان والوطن. ولا شك أن بيان الشيخ جاء معبِّرًا عن أسفه لِمَا تشهده الأُمَّة من فِتن واقتتال، وتوقَّف عند اليمن متسائلًا: كيف عجزت الحكمة اليمانيَّة عن حقن الدماء ووحدة الصَّف؟ ثم دعا اليمنيين إلى أن يثوبوا إلى رشدهم، ويصلحوا ذات بينهم، ويعمروا اليمن على قلب رجُل واحد، محذِّرًا من الذين يفسدون المودَّة ويورثون العداوة والبغضاء. ولا شك أن مواقف الشيخ أحمد الخليلي تجاه اليمن كلَّها مواقف سامية ونبيلة، وتعبِّر عن نهج العالم الربَّاني، وتجسِّد روح المسؤوليَّة تجاه الأُمَّة؛ فقد وجَّه الشيخ نداءً أخويًّا في وقت سابق، داعيًا الشَّعب اليمني والفرقاء المتقاتلين إلى الاحتكام إلى لُغة العقل والضمير، وصون الدماء والأموال والحرمات، مؤكدًا أن الأيدي التي تسفك الدماء كان أولى بها أن تبنيَ اليمن وتحافظَ على أُلفته، وحذَّر حينها من أن المستفيد الحقيقي من استمرار الحرب هو مَن يريد تمزيق الأُمَّة وإضعاف قواها.
بيانات الشيخ أحمد الخليلي دائمًا تستشعر مآسي الأُمَّة وحاجتها إلى الخِطاب المعتدل المتسامح، والدَّعوة الراشدة إلى نبذ العنف والأحقاد، والتآلف بين أبناء الوطن الواحد؛ لذا فإن جوهر رسالته ثابت لم يتغيَّر؛ تأكيدًا على أن اليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات، واليمني ليس وقودًا لصراعات الآخرين، والاختلاف مهما كان عميقًا لا ينبغي أن يتحولَ إلى حرب تستنزف الشَّعب وتدمِّر مقدَّرات الدَّولة. وفي يناير (2024م)، وعقب الهجوم على اليمن، أصدر الشيخ الخليلي موقفًا شجاعًا عبَّر فيه عن تضامنه مع الشَّعب اليمني، مستحضرًا معاني الأخوَّة والتكافل بين أبناء الأُمَّة، ثم جاء موقفه في نفس العام ليُؤكِّدَ جانبًا من رؤيته؛ فقد أشاد بما عدَّه تطوُّرًا في القدرات العسكريَّة اليمنيَّة في مواجهة (إسرائيل)، ومع ذلك لم يَفُت الشيخ أن يقرنَ في بيانه ذلك بدعوةٍ صريحة إلى تلاحم الشَّعب اليمني ووحدة جميع شرائحه، مؤكدًا أن الاتحاد قوَّة والتشتُّت ضعف.
وهنا تظهر أهميَّة قراءة مواقف الشيخ الخليلي مُجتمعة، لا انتقاء موقف واحد منها؛ فهو حين يتحدث عن اليمن لا يحصر القضيَّة في زاوية سياسيَّة واحدة، وإنما ينظر إليها ضمن مجموعة من المبادئ التي تتكرر في خِطابه، مثل نصرة القضايا العادلة، ورفض الاحتلال، وحماية المقدَّسات، لكنَّه يُؤكِّد دائمًا على رفض الاقتتال الداخلي والدَّعوة إلى وحدة المُجتمع.
اللافت في الشيخ أحمد الأخير أنه لم يتعامل مع اليمن بمعزل عن بقيَّة قضايا المنطقة؛ فقد وضع ما يجري في اليمن ضمن سياق أوسع من الهموم والأزمات التي تشهدها المنطقة في فلسطين ولبنان وإيران، ثم شدَّد على ضرورة ألَّا تنشغل الأُمَّة عن قضاياها الأساسيَّة بالفِتن الداخليَّة. ومن المؤسف أن يأتيَ الهجوم مستهدفًا شخص الشيخ الخليلي على خلفيَّة بيانه الأخير؛ فهذا الاستهداف ـ للأسف ـ لا يستهدف الشيخ المفتي بمعزل عن استهداف مواقف السلطنة، وجل هذه الحملات إنما تنبعث من أولئك الموتورين والغوغاء الذين لم يستدركوا مواقف سلطنة عُمان تجاه القضايا العربيَّة والإسلاميَّة، ولم يسترشدوا بآراء أخرى ترى أن خِطاب الشيخ والخِطاب العُماني ـ حكومةً وشَعبًا ـ كلّه نابع من مساعٍ خيِّرة لإصلاح ذات البَين. وما جهود سلطنة عُمان بغائبة أو مجهولة حول مساندة الأشقَّاء في اليمن منذ بداية الأزمة حتى اليوم وغدًا، تأكيدًا عُمانيًّا ثابتًا لا يقبل التأويل في دعم الأمن والاستقرار والازدهار في اليمن، وذلك رغم هذه الصيحات الجاحدة المضلِّلة التي تستهدف بلادي سلطنة عُمان وشخص سماحة الشيخ أحمد الخليلي ـ أمدَّ الله في عمره ـ، بل هي تستهدف كل صوت يدعو إلى الرشاد والصلاح والكفِّ عن الاقتتال وحقن الدماء؛ ذلك لأنها تتعارض مع تجَّار الحروب والأزمات، ولله الأمر. وهنا فإن جوهر رسالة عُمان ثابتة تقوم على القِيَم الإنسانيَّة السَّامية بالدَّعوة إلى الحوار، ووقف العنف، ووقف نزيف الدَّم اليمني، وإصلاح ذات البَين، والحفاظ على وحدة اليمنيين، وستظل رسالة سلطنة عُمان ثابتة تعبِّر عن مسؤوليَّتها الحضاريَّة، متبنِّية أدوارها الإنسانيَّة، ملتزمةً بالقوانين الدوليَّة.
بيانات الشيخ أحمد الخليلي الصادرة تُمثِّل خِطابًا مرجعيًّا دينيًّا واجبًا، تعبِّر عن جانب أخلاقي مسؤول، بل هو نداء ومناشدة من قِبل عالِم من علماء الأُمَّة يتحمل مسؤوليَّة أكثر من غيره. كما أن مواقفه تجاه اليمن تأتي ضمن مسار أوسع من قضايا الأُمَّة، ولا سِيَّما فلسطين؛ فقد ظلَّ الشيخ أحمد الخليلي يتحدث بصورة متكررة عن القدس وغزَّة وضرورة نصرة الفلسطينيين، وربط في بياناته بين وحدة الأُمَّة وقدرتها على مواجهة الاحتلال وبين رفض التمزق الداخلي، وفي بيانه الأخير دعا العلماء إلى عدم الانشغال بالقضايا الجانبيَّة عن القضيَّة التي وصفها بالأولى، وهي تحرير المقدَّسات الإسلاميَّة المُحتلَّة.
هنا تكمن خصوصيَّة الموقف العُماني؛ فالدَّعوة إلى وحدة اليمنيين لا تعني بالضرورة تَبنِّي موقف سياسي لطرف ضدَّ آخر. كما أن التعاطف مع اليمن لا يعني التدخل في خيارات اليمنيين، وإنما التأكيد على قاعدة إنسانيَّة وأخلاقيَّة: أن الدم اليمني يجب ألَّا يكونَ ثمنًا للخلاف السياسي. ورغم تغيُّر أطراف الصراع، وتبدل خرائط النفوذ، وتُعدُّد التدخلات الإقليميَّة والدوليَّة ـ للأسف ـ يبقى اليمن هو مَن يدفع الثمن الأكبر من خلال استمرار الانقسام؛ لذا فإن الصوت الذي يدعو إلى المصالحة، وحقن الدماء، وإعادة بناء الوطن لا ينبغي أن يقرأ خارج سياقه وفي غير محلِّه، ويوظّف من هذا الطرف أو ذاك، بل من خلال مضمونه ورؤيته والرسالة النبيلة التي يدعو إليها. وعلى ذلك فإن مواقف الشيخ أحمد الخليلي تجاه اليمن خلال السنوات الماضية تعتمد خطًّا واضحًا لا يحتاج إلى الكثير من التأويل، وهو الوقوف إلى جانب الشَّعب اليمني، ورفض إراقة الدماء، والدَّعوة إلى وحدة الصَّف، والتأكيد على أن اليمن أحق بأن توجَّه طاقاته إلى البناء لا إلى الاقتتال؛ فاليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأصوات التي تعمِّق الانقسام، وإنما يحتاج إلى أصوات تطفئ نار الفتنة، وتعيد الاعتبار للحكمة اليمانيَّة التي استند إليها الشيخ الخليلي في بيانه الأخير، ونحن جميعًا نناشد الأشقَّاء في اليمن بصوت واحد: أيُّها الأشقَّاء، مهما حدَث بينكم من اختلاف، فأنتم أبناء وطن واحد، وإن وحدة اليمن وحقن دماء أبنائه ينبغي أن تظلَّ فوق الحسابات والاصطفافات السياسيَّة. حفظ الله اليمن، وأعاد إليه وحدته الوطنيَّة وأمنه واستقراره وازدهاره.
خميس بن عبيد القطيطي