تكشف نتائج زيارتَي «دولة» اللتين قام بهما حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهوريتَي بوتسوانا وأنجولا، عن انتقال التوجُّه العُماني نحو القارَّة الإفريقيَّة من استكشاف الفرص إلى تأسيس حضور اقتصادي واستثماري منظَّم، يستند إلى رؤية بعيدة المدى ومصالح متبادلة قابلة للنُّمو؛ فقد منحت الزيارتان العلاقات السياسيَّة زخمًا رفيع المستوى، ووفَّرتا للمؤسَّسات الوطنيَّة مساحةً أوسع للتحرُّك نحو شراكات ومشروعات فعليَّة، مستفيدةً من الإمكانات الطبيعيَّة والاقتصاديَّة التي تمتلكها الدولتان، ومن الخبرات العُمانيَّة المتراكمة في قِطاعات الطاقة والاستثمار وإدارة المشروعات الكبرى. ويُؤكِّد التوجُّه أنَّ سلطنة عُمان تُعِيد صياغة علاقتها بالقارَّة ضِمن خريطة شراكات دوليَّة أكثر تنوعًا، تحمي مصالحها الاقتصاديَّة، وتفتح أمامها أسواقًا جديدةً، وتُعزِّز حضورها في إحدى أكثر مناطق العالم امتلاكًا لمُقوِّمات النُّمو.
ولعلَّ أبرز ما يميِّز نتائج الزيارتين هو اعتماد الطاقة منصَّةً متكاملةً لبناء الشراكة، عوضًا عن التعامل معها من خلال فرص منفصلة أو استثمارات محدودة الأثر؛ فمجالات التعاون المطروحة مع أنجولا تمتدُّ من الاستكشاف والإنتاج والغاز الطبيعي المسال إلى التكرير والبتروكيماويَّات والأسمدة والمتاجرة بالمنتجات النفطيَّة، بما يغطِّي مختلف مراحل سلسلة القِيمة. ويتيح هذا التكامل توظيف الإمكانات التي تمتلكها أنجولا مع الخبرات الفنيَّة والتنفيذيَّة والتجاريَّة لمجموعة أوكيو، وتحويل الموارد إلى صناعات ومنتجات ذات قِيمة مضافة أعلى. كما تفتح دراسة الاستفادة من الغاز الطبيعي في إنتاج الأمونيا والمواد البتروكيماويَّة مجالًا لبناء قاعدة صناعيَّة مشتركة، تجعل التعاون أكثر قدرةً على توليد العوائد، ونقل المعرفة، وبناء القدرات، وخلق فرص العمل.
إنَّ مشروع تطوير الطاقة المُتجدِّدة في أنجولا بقدرة إجماليَّة تصل إلى نحو (500) ميجاواط، مصحوبًا بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريَّات، ومذكرة التعاون التي وقَّعتها شركة «أو جرين» في مجال أمن الطاقة في بوتسوانا، يعكسان بُعدًا أكثر تقدُّمًا في الحضور العُماني بإفريقيا؛ فالاستثمارات المقترحة تجمع بين تلبية الاحتياجات المتزايدة للكهرباء ودعم التحوُّل نحو الطاقة النظيفة، وتمنح الخبرة العُمانيَّة دَوْرًا مباشرًا في معالجة تحدِّيات تنمويَّة حقيقيَّة. كما أنَّ تمرير الطاقة المنتجة من مشروعات بوتسوانا إلى الدول المحيطة بها يوسِّع نطاق التأثير من السوق المحليَّة إلى الإقليم، ويمنح الاستثمار بُعدًا استراتيجيًّا يتصل بتكامل أسواق الطاقة في جنوب القارَّة، ويفتح أمام الشركات والمؤسَّسات العُمانيَّة شبكةً أوسع من الشراكات والفرص.
إنَّ القِيمة الحقيقيَّة لهذه النتائج ستتحدَّد بقدرة الأطراف على تحويل مذكرات التعاون إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، من خلال دراسات جدوى دقيقة، ونماذج استثمار واضحة، وجداول زمنيَّة مُحدَّدة، وآليَّات فاعلة لمتابعة الإنجاز. ويتطلب ذلك تنسيقًا متواصلًا بين المؤسَّسات الحكوميَّة والاستثماريَّة، وإشراك الشركات العُمانيَّة في أعمال الهندسة والتوريد والتشغيل والخدمات المساندة، حتى ينعكسَ التَّوسُّع الخارجي على الاقتصاد الوطني وسلاسل القِيمة المحليَّة. وعندما يقترن الزخم السياسي بكفاءة التنفيذ والانضباط التجاري، تصبح زيارتا بوتسوانا وأنجولا نقطة تأسيس لحضور عُماني مستدام في إفريقيا، قادر على تحقيق العائد الاقتصادي، ودعم أمن الطاقة، وبناء شراكات تضع اسم سلطنة عُمان وخبراتها في قلب التحوُّلات التنمويَّة التي تشهدها القارَّة.