سبق أن كتبتُ بهذه المساحة مقالًا بعنوان «العقلانيَّة في استخدام المُسيَّرات»، دعوتُ فيه إلى إعادة النظر عالميًّا في الصورة النمطيَّة التي ارتبطت بالطائرات المُسيَّرة، فرسخ في أذهان كل مَن يسمع اسمها بأنها مرتهنة للاستخدامات العسكريَّة.
غير أنه من الضروري التفكير في الوجه الآخر لهذه التقنيَّة باعتبارها أداة اقتصاديَّة قادرة على خفض التكاليف، ورفع كفاءة الخدمات، وخلق أسواق جديدة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
وفيما نجحت سلطنة عُمان في الاستعانة الإيجابيَّة بالمُسيَّرات في مجالات وقِطاعات متنوِّعة، سبق للإعلام أن أشار إليها، جاءت مبادرة «جسر السماء» لتوسِّعَ دائرة الضوء على التطبيق العملي للتحوُّل في مسارات التعاطي مع مصطلح المُسيَّرات وأدوارها.
فالمبادرة، التي انطلقت مرحلتها الثانية بمحافظة ظفار عبر نقل طائرة «سهم» المُسيَّرة لإمدادات ومستلزمات طبيَّة إلى جزر الحلانيَّات، يمكن اعتبارها بمثابة اختبار اقتصادي لفكرة أكثر أهميَّة: وهي فكرة أنَّه بمقدور التكنولوجيا جعل الوصول إلى المناطق النائيَّة أقل كلفة وليس العكس.
ففي الحسابات الاقتصاديَّة، لا تُقاس كلفة النقل بالمسافة وحدها، وإنما بطبيعة التضاريس والوقت المستغرق والموارد البشريَّة والماديَّة المطلوبة وبمدى انتظام الخدمة.
والمعروف محاسبيًّا أيضًا بأنَّه كلَّما كانت المنطقة أكثر بُعدًا، ارتفعت كلفة إيصال السِّلع، لذلك فإن استخدام الطائرات المُسيَّرة في نقل إمدادات طبيَّة يمكن أن يفتح الباب أمام نموذج لوجستي مختلف تكون فيه السماء طريقًا مختصرًا فوق الحواجز الجغرافيَّة.
والأهم أن الحمولة التي تنقلها المُسيَّرة «سهم» ليست مجرَّد أرقام في تجربة تقنيَّة، بل إنها أدوية ضروريَّة ترتبط قِيمتها بقِيمة الوقت، حيث إن اختصار ساعات من زمن الوصول يعني بالنتيجة تحسين الاستجابة الصحيَّة.
كما أن العائد الآخر القيّم لهذه المبادرة هو توطين المعرفة، حيث يتمُّ تنفيذها بالكامل بفريق عُماني يتولى التخطيط والإعداد وتجهيز الحمولة والتشغيل والملاحة والسَّلامة وإدارة العمليَّات، بما يعني أن الاستثمار غير محصور في تشغيل طائرة، بل يُسهم في بناء منظومة من الكفاءات الوطنيَّة القادرة على تشغيل وتطوير تقنيَّات النقل الجوِّي المتقدمة.
لذلك كلَّما توسَّع استخدام المُسيَّرات، نشأت حاجة إلى خدمات الصيانة والبرمجيَّات وتحليل البيانات والاتصالات والملاحة والتدريب والتأمين، وهي قِطاعات ستخلق فرصًا جديدة أمام المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة وروَّاد الأعمال، وتحوِّل التقنيَّة من منتج مستورد إلى خبرة موطّنة وقابلة للتطوير والتوسُّع.
وعليه، فإنَّ مبادرة «جسر السماء» يمكن اعتبارها مختبرًا اقتصاديًّا لاختبار مستقبل جانب من الخدمات اللوجستيَّة في سلطنة عُمان، ألا وهو الجانب المتعلق باستخدام المُسيَّرات لتقديم الخدمات الطارئة إلى المناطق البعيدة.
فقد سبق أن نقلت هذه المبادرة في مرحلتها الأولى شحنة من الأدوية والمستلزمات الطبيَّة إلى الجبل الأخضر، وها هي مرحلتها الثانية تنقل خلالها الأدوية أيضًا إلى جزر الحلانيَّات، حيث وضعت هاتان المرحلتان تجربتين مختلفتين أمام صانع القرار، هما تجربة تحدِّي التضاريس الجبليَّة من جهة، وتجربة الاستعداد والقدرة على قطع مسافات بحريَّة جوًّا وصولًا إلى مناطق بعيدة من جهة أخرى.
ومن خلال نجاح هاتين التجربتين يتَّضح جوهر الاقتصاد القائم على الابتكار، حيث لا تكتفي الدَّولة بشراء التقنيَّة، وإنما تختبر قدرتها على إيجاد حلول لتحدِّيات حقيقيَّة، ثم تبني حولها منظومة اقتصاديَّة متكاملة.
ومن هذه الزاوية تنسجم مبادرة «جسر السماء» مع توجُّهات رؤية «عُمان 2040» في دعم الابتكار وتوطين التقنيَّات الحديثة وتنمية القدرات الوطنيَّة وتنويع الاقتصاد، خصوصًا وأن مفهوم التنويع غير منحصر في إضافة قِطاع اقتصادي جديد، بل يعني أيضًا استخدام التكنولوجيا لرفع إنتاجيَّة القِطاعات القائمة، وتقليل تكاليفها وتحسين قدرتها التنافسيَّة، علاوة على أن تنفيذ مبادرة «جسر السماء» يُؤكِّد عمليًّا بأنَّ المسافات البعيدة إن كانت تُشكِّل تحدِّيًا هندسيًّا واقتصاديًّا، فإنَّ التكنولوجيا بمقدورها إيجاد الحلول اللازمة حتى لا يصبحَ البُعد سببًا لإعاقة رفاهيَّة الإنسان.
فحين تحمل طائرة مُسيَّرة الدَّواء إلى جزيرة بعيدة، فإنَّها عمليًّا تنقل معها فكرة جديدة عن الاقتصاد والخدمة العامَّة مضمونها بأنَّ الابتكار الحقيقي هو الذي يجعل الوصول إلى الإنسان أسرع وأقلَّ كلفة وأكثر كفاءة مهما كانت المسافة.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»