في عالم يعيش حالة من التراكمات والاختلالات الفكريَّة والاقتصاديَّة والنفسيَّة، الناتجة عن تغييب دَوْر القِيَم وإبعادها عن واقع الناشئة، ومحاولة حصرها في نصوص القوانين والبروتوكولات وخطط المؤسَّسات، يبرز حديث الساسة والقادة والمفكرين الاستراتيجيين وأصحاب الرأي عن القِيَم باعتبارها ضرورة حضاريَّة، في تكوين الحضارات، وصناعة الإنسان، وبناء الأوطان، وتعزيز الاقتصاد، وترقية الموارد، والتوظيف الأمثل للكفاءات.
على أنَّ ما يشهده العالم اليوم من تصعيد أمني وأزمات اقتصاديَّة وماليَّة، وما تعكسه مؤشِّرات الفقر والجوع والأُمِّيَّة والمخدِّرات، إلى جانب أوضاع المشرَّدين وضحايا الحروب والأمراض، وما تتعرض له المرأة والطفل من انتهاكات، فضلًا عن انتشار الجريمة والانتحار والقتل والسلبيَّة والعدوانيَّة والتنمُّر الفكري وضياع الهُوِيَّة وغياب القدوات؛ كلُّها مؤشِّرات تُؤكِّد حجم التراجع الحاصل في المنظومة القِيَميَّة وتغييب المشتركات الإنسانيَّة، لِيمتدَّ هذا التراجع في ظلِّ الاستغلال السّلبي للتقنيَّة والمنصَّات الاجتماعيَّة في الترويج للكراهية والأفكار التحريضيَّة والإلحاد، وترسيخ مفاهيم الحُريَّات المطْلقة والاستقلاليَّة غير المسؤولة، وتسطيح صورة القِيَم وتشويهها عبر المحتوى الهابط والدعاية التجاريَّة والبحث عن الشهرة، والممارسة الترويجيَّة غير المنضبطة من البعض عبر المنصَّات الاجتماعيَّة التي تغرس في أذهان الناشئة أنَّ القِيَم تُمثِّل عائقًا أمام التقدُّم والإنجاز والتطوُّر.
وفي ظلِّ هذا السقوط الأخلاقي الذي باتت تعيشه البشريَّة اليوم، والإفراغ الممنهج للمنظومات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والتربويَّة من جوهرها الإنساني، اتَّجهت الأنظار إلى ضرورة إعادة القِيَم إلى حوزة المشهد الإنساني، وصدارة مختلف المنظومات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والفكريَّة والتربويَّة والأمنيَّة والأُسريَّة، باعتبارها ركيزة أساسيَّة في تعزيز الاستقرار الإنساني وجودة الحياة، ومدخلًا لتحقيقِ التوازن بين متطلبات التَّغيير وثوابت الهُوِيَّة. لِتتحوَّلَ إلى ممارسة يوميَّة يعيشها الفرد ويشعر بأثَرِها في حياته، ويقتنع بأنَّها وسيلة للرُّقي الذَّاتي، وبناء الشخصيَّة، وتعزيز قدرته على التكيُّف الإيجابي مع المتغيِّرات.
ومن هنا، فإنَّ صناعة الأثَر في حياة الناشئة تبدأ من التسويق للمضمون القِيَمي، بحيث يشعر الناشئة بأنَّ القِيَم جزء من حياته، وفرصة لِنَيْلِ استحقاقات النَّجاح والتميُّز والإنجاز، لذلك يصبح أكثر قدرة على ضبط مسار التوازنات في حياته، وأصْدَق رغبة في تصحيح ممارساته، وأكثر استعدادًا لتحمُّل مسؤوليَّاته تجاه نفسه وأُسرته ومُجتمعه، الأمر الذي سيجد نتاج وأثَر هذه القِيَم في جودة حياته وانعكاساتها على فكره وسمعه وبصره وسلوكه واتِّجاهاته، فتمنحه القدرة على بناء علاقات إنسانيَّة قائمة على الاحترام والتكامل، وتُعزِّز ثقته بنفسه، وتدفعه إلى تحمُّل المسؤوليَّة عن قناعة ورغبة واختيار؛ لذلك كلَّما نجحنا في تقريب القِيَم من واقع حياة الناشئة في البيت والمدرسة والمسجد والمؤسَّسة والخِطاب التواصلي والأوامر والنَّواهي والتَّرغيب والتَّرهيب، وربطها بطموحاتهم، وإبراز أثَرِها في النَّجاح الشَّخصي والأُسري والمهني، أصبحت أكثر حضورًا في وجدانهم، وأكثر قدرة على توجيه سلوكهم بصورة تلقائيَّة ومستدامة.
وعليه، فإنَّ التحدِّي والمسؤوليَّة اليوم تستدعي ليس في وفرة هذه القِيَم وإدماجها في المحتوى التعليمي أو في برامج التَّوعية والتَّثقيف ومنصَّات الإعلام؛ بل يكمن في آليَّة التَّسويق للمضمون القِيَمي، والقدرة على تمكينه في حياة الناشئة، وتعظيم أثَرِه في العقل اللاواعي لديهم، وتقديمها بلُغة واقعيَّة وسهلة ومؤثِّرة يفهمها جيل الناشئة أو عموم المخاطبين، وبأساليب تتوافق مع اهتماماتهم، وتبرز أثَرها الحقيقي في بناء الشخصيَّة، وصناعة القدوات، وإنتاج النَّماذج المضيئة في المُجتمع، وتحقيق جودة الحياة، لِتتحوَّلَ من مفاهيم مجرَّدة إلى ثقافة مُجتمعيَّة راسخة، وسلوك يومي ينعكس أثَره على الفرد والأُسرة والوطن.
إنَّ تحقيق هذا التحوُّل في الوعي القِيَمي وتعظيم أثَرِه في السُّلوك، والتحوُّل في أدوار مؤسَّسات التنشئة والتأثير، الأُسرة، والتعليم، والمسجد، والإعلام، والمنصَّات الاجتماعيَّة، والفضاءات الرَّقميَّة؛ كونها شريكة في صناعة السُّلوك القِيَمي، وقادرة على تغيير الصورة النمطيَّة التي تشكَّلت لدى بعض الناشئة عن القِيَم عبر هذه المنظومات والمؤسَّسات لأسبابٍ كثيرة، والصورة غير المنضبطة التي يتمُّ تقديمها للناشئة حول السُّلوك القِيَمي، تستدعي الحاجة إلى مراجعة جادَّة لأساليب تقديم القِيَم في المدرسة، وثقافة الصَّف الدراسي، وقاعات التدريس في مؤسَّسات التعليم العالي، بحيث تتحول إلى ممارسة يوميَّة يعيشها الطالب في علاقاته مع نفسه ومُعلِّميه وزملائه وإدارته، ويجدها حاضرةً في الأنظمة والقوانين والخِطاب والتعليمات، وفي أساليب التَّحفيز والممكنات والصلاحيَّات، وفي البيئة التعليميَّة بكل تفاصيلها. وينطبق الأمر نفسه على الخِطاب الأُسري، والخِطاب المؤسَّسي والخِطاب الدِّيني، وطريقة تناول القِيَم في وسائل الإعلام، بحيث تقدَّم بصورة سهلة وواضحة ومؤثِّرة، بعيدة عن التعقيد أو التخويف أو التشدُّد في تقديم النَّواهي والزَّواجر.
ولمَّا كانت المنصَّات الرَّقميَّة من أكثر البيئات الافتراضيَّة تأثيرًا في تشكيل وعي النَّاشئة، وفي ظلِّ فراغ الضَّوابط النَّاتج عن صعوبة فرَضَته لُغة المنعِ والإغلاق على المنصَّات الرَّقميَّة العالميَّة التي باتت تستحوذ حضور النَّاشئة، الأمر الذي يستوجب البحث عن بدائل أخرى تَضْمن الحدَّ من إغراق النَّاشئة فيها وعبر تعزيز المحتوى الرَّقمي الكفء القادر على المواجهة، والضَّامن لمسار الاحتواء. فالمحتوى يجب أن يقابلَه محتوى يوازيه في القوَّة أو يتفوق عليه في التأثير، إذ كلَّما اتَّسمت القِيَم بالمرونة والسَّلاسة والوضوح والابتكار، وارتبطت بمفاهيم الإيجابيَّة والأمل وجودة الحياة، أصبحت أكثر قدرة على الدخول إلى أعماق الإنسان، والتأثير في قناعاته واتِّجاهاته، وبناء الضَّمير المسؤول لديه.
كما أنَّ نجاحها يرتبط بقدرتها على استيعاب طبيعة المتغيِّرات الفكريَّة والاجتماعيَّة، والتفاعل مع اختلاف مستويات التفكير والثقافات، حتى تتحولَ إلى ممارسة ذاتيَّة نابعة من القناعة، ومستندة إلى مبادئ واضحة، والتزام مستدام لا تغيِّره الظروف أو المصالح أو تقلُّبات الحياة. وفي المقابل، فإنَّ القدرة على الاحتفاظ بدرجة الأمان الرَّقمي في حياة النَّاشئة بحاجة اليوم إلى تعظيم دَوْر الضبطيَّة القِيَميَّة، بمعنى أن تتحولَ القِيَم ذاتها إلى ضابط أخلاقي، وسدٍّ معنوي يقف في وجْه المتغيِّرات ما يضع دورة التشريعات المنظِّمة للمحتوى المحلِّي أو الفردي في حراك مستمرٍّ ومراجعة نوعيَّة ذكيَّة، مع العمل على إنتاج محتوى قِيَمي جاذب، قادر على المنافسة، يوظِّف التقنيَّات الحديثة ولُغة العصر، ويُخاطب الشَّباب بلُغتهم واهتماماتهم، دون أن يفقدَ أصالته أو رسالته.
ومع الاعتراف بما تعيشه المُجتمعات من تحوُّلات في الاهتمامات والطموحات والأذواق والقناعات، وما تفرضه المنصَّات الرَّقميَّة من أنماط جديدة في التَّفكير والسُّلوك، أو ما يحصل من تباينات وتناقضات في مُجتمع الكبار الذي يتعلم النشء على يديه هذه القِيَم، إلَّا أنَّ الصورة التي يجب أن يتلقَّاها النَّاشئة في أبجديَّات التواصل والخِطاب والتعليم والتعلُّم والتثقيف والتدريب والتَّوجيه، أنَّ هذه التباينات وكومة التناقضات لا ينبغي أن تكونَ مبرِّرًا للتخلِّي عن القِيَم الأصيلة أو التقليل من شأنها أو التنازل عن الثَّوابت بحجَّة أن الكبار أو مَن ينظر إليهم المُجتمع في موضع القدوة والمثال يمارسون مثل هذه التَّناقضات. وهو أمر يجب أن تضعَه معايير وأساليب التَّربية والتَّثقيف والتَّوجيه في أولويَّة الاهتمام، وفي الوقت نفسه يجب أن يفهمَ في الحديث عن المتغيِّر القِيَمي على أنَّه دعوة لانتقاء القِيَم وفق الأهواء والمصالح، أو التَّعامل معها بمنطق ما يُحقق المنفعة الآنيَّة للفرد. فالقِيَم ليست للمساومة عليها، وعمليَّة الاختيار لها لا ترجع إلى المزاجيَّة والفردانيَّة والمصلحة، لِتصبحَ قائمةً مفتوحة للخيارات، يختار الإنسان منها ما يشاء ويترك ما يشاء، وإنما هي منظومة متكاملة، يكتمل أثَرها عندما يتعايش الفرد معها وتتجلى في تفاصيل حياته باعتبارها منهجًا للحياة، وليس مجرَّد مواقف متفرقة أو اختيارات شخصيَّة.
كما أنَّ الممارسات الفرديَّة غير المنضبطة لا ينبغي أن تتحولَ إلى معيار للحُكم على القِيَم نفسها. فالخلل يكمن في التَّطبيق، لا في القِيمة ذاتها، والتَّجاوزات التي قد تصدر من بعض الأفراد لا تنقص من مكانة القِيَم، ولا تقلِّل من ضرورتها، بل تُؤكِّد الحاجة إلى تعميق أثَرها وإعادة إنتاجها وتعزيز الوعي بها، وتصحيح أساليب ممارستها، وإبراز النَّماذج الإيجابيَّة التي تجسِّدها في الواقع.
أخيرًا، فإنَّ التَّسويق للمضمون القِيَمي ينبغي أن يركِّزَ على بناء هذه القناعة وتصحيح الصورة السلبيَّة والأفكار المغلوطة حول القِيَم، فهي الطَّريق للمحافظة على استدامة تأثير القِيَم في السُّلوك واستحضارها في الممارسة، وبالتَّالي تقريب النموذج التَّطبيقي للقِيَم من واقع النَّاشئة، وربطها عبر شواهد حيَّة ونتائج مجرَّبة بنجاحه الشَّخصي والأُسري والمهني، وإظهار أثَرِها في تحقيق الاستقرار النَّفسي والاجتماعي والأُسري وجودة الحياة، حتى تصبحَ ممارسة مألوفة، يقتدي بها الأبناء بصورة طبيعيَّة، وخيارًا واعيًا تتبنَّاه النَّاشئة بإرادتها. وعندها تنتقل القِيَم من دائرة التَّنظير إلى دائرة التَّطبيق، ومن حوزة المفاهيم الفلسفيَّة والتكهُّنات إلى الممارسة العمليَّة والنماذج والشواهد، فتترجمه في سلوكها اليومي وفق اقتناع وإيمان وثقة ورغبة والتزام يمشي على الأرض.
د.رجب بن علي العويسي