تُسهم اتفاقيَّتا النقل الجوِّي اللتين تمَّ توقيعهما بين سلطنة عُمان وجمهوريتَي أنجولا وبوتسوانا خلال الزِّيارة السَّامية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى البلديْنِ، في فتحِ أُطُر جديدة لدعم حركة الأشخاص والبضائع ورؤوس الأموال، بما يُشير إلى وجود آفاقٍ أوسع لهذه الاتفاقيَّات لتعزيز حضور النقل الجوِّي كحلقة وصل ضمن منظومة أوسع للتجارة واللوجستيَّات.
وفي تقديري، أنَّ الأثر الاقتصادي لهذه الاتفاقيَّات يفوق دَوْرها الفنِّي في تنظيم حقوق التشغيل والمسارات والرحلات بين الدول الموقِّعة، خصوصًا وأنَّ كُلًّا من سلطنة عُمان وأنجولا وبوتسوانا تتمتع بإمكانات استثماريَّة وتجاريَّة واعدة.
بالنِّسبة إلى سلطنة عُمان، لا تقتصر أهميَّة الاتفاقيَّتين على توسيع شبكة اتفاقيَّات النقل الجوِّي فقط، بل ترتبط أيضًا بتوجُّهها نحو تعزيز موقعها اللوجستي وربط اقتصادها بأسواق جديدة، في حين أكَّدت هيئة الطيران المَدني أنَّ تطوير الرَّبط الجوِّي يستهدف استقطاب شركات الطيران وفَتْح وجهات ومسارات مباشرة جديدة بما يدعم السياحة والنشاط التجاري. ومن هذه الزاوية، فإنَّ إتاحة تشغيل رحلات مباشرة غير محدودة، وإمكانيَّة تقاسم الرموز، وتطوير خدمات الركَّاب والشحن، تمنح الناقلات الجويَّة مرونة أكبر لدراسة الأسواق وتطوير شبكاتها وفق الطلب الفعلي.
أمَّا أنجولا، فهي تُقدِّم سوقًا ذات فرص في مجالات الطاقة والتعدين والتجارة، تلك مجالات برزت ضمن مسار التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلديْنِ، حيث يُشير موقع وزارة الخارجيَّة العُمانيَّة إلى أنَّ حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان وأنجولا بلغ نحو (972.9) ألف ريال عُماني خلال النصف الأول من عام (2025)، مقابل نحو (1.31) مليون ريال عُماني في الفترة نفسها من عام (2024)، فيما سجَّل الميزان التجاري فائضًا لصالح سلطنة عُمان بلغ نحو (969.7) ألف ريال عُماني.
كما بلغت الصادرات العُمانيَّة إلى أنجولا نحو (971.3) ألف ريال عُماني خلال الفترة نفسها مع وجود فرص لزيادة حجم التبادل التجاري، وتنويع قاعدة السِّلع والخدمات بين البلديْنِ. وعليه، يمكن للنقل الجوِّي أن يُسهمَ في تسهيل حركة رجال الأعمال والخبراء والوفود، إلى جانب دعم نقل بعض الشحنات ذات القِيمة العالية أو الحسَّاسة للوقت.
وفيما يتعلق بالاتفاقيَّة مع بوتسوانا، فهي تأتي في سياق اقتصادي أوسع يشهد توسُّعًا ملموسًا في التعاون بين البلديْنِ في مجالات الطاقة والتعدين والاستثمار واللوجستيَّات والأمن الغذائي؛ إذ شهد شهر أبريل (2026) توقيع اتفاقيَّات شملت استكشاف المعادن وتطوير وتشغيل مرافق لتخزين المنتجات النفطيَّة، إلى جانب مشروع للطاقة الشمسيَّة بقدرة (500) ميجاوات مدعوم بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريَّات بقدرة مماثلة.
وعمليًّا تبيِّن أنَّ العلاقات الاقتصاديَّة بين بوتسوانا وسلطنة عُمان تستهدف تعزيز الروابط بين مُجتمعي الأعمال وخلق فرص جديدة أمام القِطاع الخاص؛ إذ إنَّه إلى جانب الخدمات الجوِّيَّة والنقل الجوِّي، شملت المباحثات والاتفاقيَّات بين الجانبين في سبتمبر الحالي (2026)، مجالات متنوِّعة بينها الطاقة والتعدين وترويج الاستثمار والأمن الدوائي والاستثمار الصيدلاني والأمن الغذائي والزراعة؛ إذ إنَّ جميع هذه المجالات يُعَدُّ فيها النقل الجوِّي قناة أساسيَّة لدعم حركة رجال الأعمال والخبراء والوفود، وتعزيز الروابط الاقتصاديَّة التي يجري بناؤها بين البلديْنِ، ممَّا يُسهم في جعل الرَّبط بين سلطنة عُمان والأسواق الإفريقيَّة جزءًا من بناء شبكة اقتصاديَّة أوسع.
كما بمقدور هذه الاتفاقيَّات أن تمنحَ هيئات الطيران المَدني في الدول الثلاث إطارًا مؤسَّسيًّا لتطوير التعاون التنظيمي والفنِّي، وتبادل الخبرات، وتنسيق الجوانب التشغيليَّة، ومواكبة نُمو الحركة الجوِّيَّة والشَّحن. وهي بذلك تضيف إلى دَوْر الجهات المنظِّمة للطيران بُعدًا اقتصاديًّا يتَّصل مباشرةً بتسهيل الحركة التجاريَّة والاستثماريَّة، إلى جانب مسؤوليَّات السَّلامة والتنظيم.
وعليه، فإنَّ آفاق القِيمة الحقيقيَّة لهذه الاتفاقيَّات ستكون أكثر وضوحًا عند تحوُّل الحقوق التشغيليَّة التي توفِّرها هذه الاتفاقيَّات إلى حركة جوِّيَّة فعليَّة وخدمات شحن وشراكات بين شركات الطيران وروابط أكثر نشاطًا بين مُجتمعات الأعمال، وبالنَّتيجة ستُصبح اتفاقيَّات النقل الجوِّي أداة عمليَّة لربط الأسواق وتوسيع التجارة، ودعم الاستثمار، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين سلطنة عُمان والقارَّة الإفريقيَّة.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن »