بدأ اهتمامي بالبُعد الروحي في علم النفس مبكرًا، قبل التحاقي بالجامعة. كنتُ أقتني كتبًا في عِلم النفس وأخرى في العرفان والروحانيات، وأقرأ فيها بشغف، رغم أنني لم أكن أستوعب كثيرًا من مصطلحاتها ومفاهيمها. لكن تلك القراءات المبكرة زرعت في داخلي سؤالًا ظل يرافقني طويلًا: هل يمكن أن نفهم الإنسان فهمًا متكاملًا إذا استبعدنا روحه وعلاقته بالله وعالم الغيب؟
قادني هذا الشغف إلى دراسة عِلم النفس في جامعة الملك سعود بالرياض، وهناك تعرفت بصورة منهجية إلى المدارس والنظريات النفسية. كان التحليل النفسي حاضرًا بتأكيده أثر الدوافع اللاشعورية، ولا سيما الجنسية والعدوانية، بينما ركز الاتجاه السلوكي على علاقة المثير بالاستجابة، وعلى أثر البيئة والتعلم في تشكيل السلوك. وفي المقابل، كان الاتجاه العقلاني الانفعالي لألبرت أليس يبرز بقوة، مؤكدًا دور الأفكار والمعتقدات في تشكيل الانفعالات والسلوك، إلى جانب اتجاهات أخرى انتقائية وتكاملية.
تعلمتُ الكثير من هذه المدارس، وقدَّرتُ إسهاماتها العلمية، لكن سؤالًا ظل حاضرًا في ذهني: أين الروح في كل هذا؟
لم أقتنع بأن الإنسان مجرد استجابات للبيئة، أو دوافع لا شعورية، أو أفكار ومعتقدات فحسب. فقد أسهمت نشأتي الريفية في ربطي بعالم من المعاني الإيمانية والروحية؛ حيث كان الدعاء والذكر والصلاة والقرآن والتوكل على الله حاضرة في حياة الناس، وفي مواجهتهم للألم والابتلاء والخوف والأمل.
دفعني ذلك إلى البحث عن رؤية نفسية تستوعب هذا البُعد، فوجدتُ ضالَّتي جزئيًّا في كتابات محمد قطب حول النفس الإنسانية، وأعمال الدكتور محمد عثمان نجاتي في عِلم النفس والقرآن الكريم. إلَّا أن سؤالًا آخر بدأ يلحُّ عليّ: كيف نحوِّل هذه المفاهيم إلى إجراءات وتقنيات قابلة للتطبيق في الإرشاد النفسي؟
وعندما بدأتُ رحلتي في التدريب والتنمية البشرية، أصبحتُ أكثر اهتمامًا بتحويل المعرفة إلى ممارسات. وكنتُ أشجِّع طلابي في الجامعة على ذلك؛ لأن المعرفة الإرشادية تقلُّ قيمتها عندما تبقى حبيسة الكتب والمحاضرات ولا تتحول إلى أدوات تساعد المسترشد على الوعي والتغيير.
ومن هنا بدأت تتشكل لديَّ فكرة منهج تكاملي لا يلغي منجزات عِلم النفس، ولا يضع العِلم في مواجهة الإيمان، وإنما ينظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا تتكامل فيه الأبعاد المعرفية والوجدانية والسلوكية والروحية.
ومع سنوات من القراءة والتدريب والممارسة الإرشادية، تطورت الفكرة إلى ما أسميته «عِلم نفس الاستنارة»؛ مقاربة تستفيد من نظريات عِلم النفس وتقنياته، وتستنير بهدي الوحي ومفاهيم الذكر والمعية والسكينة والتوكل والوعي.
ثم انتقلت الفكرة إلى البحث والتطبيق، فسجلت الأسلوب كملكية فكرية، وكتبت حوله أبحاثًا ودراسات، وعقدت له مؤتمرات شارك فيها علماء وباحثون وأطباء ومتخصصون من مجالات مختلفة.
بدأتُ الرحلة بسؤال: أين الروح في عِلم النفس؟ وما زلتُ أرى أن الإجابة مشروع مفتوح؛ غايته فَهْم الإنسان بصورة أكثر شمولًا، يستنير فيها العقل بالعِلم، وتستنير النفس بهدي الوحي.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية