يُجدِّد الموقف العُماني الدَّاعم لحقِّ الشَّعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلَّة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو (1967)، وعاصمتها القدس الشرقيَّة، التزامَ سلطنة عُمان الرَّاسخ بعدالة القضيَّة الفلسطينيَّة، وتمسُّكَها بالقانون الدولي وقرارات الأُمم المُتَّحدة أساسًا لمعالجة الصراع وتحقيق السَّلام. وقد جاء بيان سلطنة عُمان أمام الدَّورة الثالثة والسبعين لمجلس التجارة والتنمية «الأونكتاد» لِيُؤكِّدَ أنَّ القضيَّة لا تختزل في تداعيات إنسانيَّة تفرض استجاباتٍ طارئةً؛ فهي قضيَّة شَعب يمتلك حقوقًا وطنيَّة أصيلةً لا تسقط بالتقادم، ويتطلع إلى الحُريَّة والاستقلال والحياة الكريمة. ويظهر هذا الموقف نهجَ السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة القائم على وضوح المبادئ، واحترام الشرعيَّة الدوليَّة، والدَّعوة إلى حلول عادلة تعالج أسباب الصراع، وتضع حدًّا للاحتلال، وتمنح الشَّعب الفلسطيني حقوقه المشروعة كاملةً.
ولعلَّ الأرقام التي عرضها تقرير «الأونكتاد» تكشف بوضوح أنَّ التدمير الاقتصادي في قِطاع غزَّة يُمثِّل امتدادًا مباشرًا للكارثة الإنسانيَّة؛ فتضرر أو تدمير نحو (92) بالمئة من المنشآت الاقتصاديَّة لا يعني خسارة مبانٍ ومعدَّاتٍ وحسب، لكن يعني فقدان آلاف الأُسر فرصَ العمل ومصادرَ الدخل وسُبلَ العيش، وتراجعَ القدرة على إنتاج الغذاء وتوفير الاحتياجات الأساسيَّة. كما أنَّ وصول احتياجات التعافي وإعادة الإعمار إلى نحو (16.2) مليار دولار يوضح ضخامة الضَّرر الذي أصاب مُقوِّمات الحياة والتنمية، ويُؤكِّد أنَّ إعادة البناء لا يمكن أن تقتصر على إصلاح الطُّرق والمنشآت والمَرافق؛ إذ يجب أن تكونَ مشروعًا إنسانيًّا وتنمويًّا متكاملًا يعيد للإنسان الفلسطيني قدرته على العمل والإنتاج، ويصون كرامته، ويفتح أمامه طريقًا نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
وتتجلى أهميَّة الرؤية العُمانيَّة في دعوتها إلى معالجة جذور الأزمة الاقتصاديَّة الفلسطينيَّة وأسبابها الهيكليَّة، وفي مقدِّمتها استمرار الاحتلال «الإسرائيلي»، والسيطرة على الموارد، وتقييد حركة الأشخاص والسِّلع، وتعطيل التجارة والاستثمار، وتقويض مُقوِّمات الإنتاج والنُّمو. فالمساعدات الطارئة تظلُّ ضرورةً لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة، غير أنَّها لا تستطيع بناء اقتصاد مستدام في بيئة تُحاصر فيها موارده، وتُقيَّد حركته، وتُدمَّر منشآته. ويتطلب التعافي الحقيقي استعادة القدرات الإنتاجيَّة، ودعم القِطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتنشيط الحركة التجاريَّة، وتأهيل البنية الأساسيَّة، وبناء قدرات المؤسَّسات الفلسطينيَّة، بما يساعد الاقتصاد على الصمود والاعتماد على ذاته، وينقل الشَّعب الفلسطيني من دائرة الاحتياج المتكرر إلى امتلاك أدوات التنمية وتقرير مستقبله الاقتصادي.
إنَّ تأكيد سلطنة عُمان أنَّ دعم الاقتصاد الفلسطيني استثمارٌ في السَّلام والاستقرار يضع المُجتمع الدولي أمام مسؤوليَّة تتجاوز إدارة الأزمة إلى العمل الجادِّ على إنهائها؛ فالسَّلام الدَّائم لا ينفصل عن العدالة، والتنمية لا تزدهر في ظلِّ الاحتلال وغياب السيادة. ومن هنا تظهر الحاجة إلى استجابة دوليَّة شاملة ومستدامة، وإلى مواصلة «الأونكتاد» دوره في التحليل الاقتصادي والمساعدة الفنيَّة وبناء القدرات، بالتكامل مع جهود منظومة الأُمم المُتَّحدة. وسيظلُّ تمكين الشَّعب الفلسطيني سياسيًّا واقتصاديًّا، وإقامة دولته المستقلَّة، الطريقَ الأقصر والأكثر عدلًا نحو استقرار المنطقة؛ لأنَّ إعادة إعمار ما تهدَّم لن تحققَ غايتها ما لم تقترن بحماية الحقوق ومنع تكرار الدَّمار، وتحويل التضامن الدولي إلى إرادة فاعلة تؤسِّس لسلام يصون الإنسان ويَضْمن للشعوب أمنها ومستقبلها.