تستعيد إفريقيا حضورها في قلب السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة من بوَّابة التاريخ والجغرافيا والاقتصاد معًا، إذ إن فالعلاقة بين عُمان والقارَّة الإفريقيَّة لم تكن وليدة التحوُّلات السياسيَّة والاقتصاديَّة المعاصرة، خصوصًا وأن طُرق التجارة البحريَّة عبر المحيط الهندي شكَّلت منذ قديم العصور جسرًا تاريخيًّا ربط الموانئ العُمانيَّة بشرق إفريقيا، وأسْهَم في نشوء علاقات تجاريَّة وإنسانيَّة وثقافيَّة امتدَّت لقرون، في حين أن الجدير بالملاحظة حاليًّا هو التوجُّه البراجماتي لهذه الروابط من إرث تاريخي إلى شراكات اقتصاديَّة أكثر تنظيمًا وتنوعًا.
وتكشف المؤشِّرات التجاريَّة الحديثة عن مساحة متنامية لهذه الشراكة، فوفق بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغتْ قِيمة الواردات السلعيَّة العُمانيَّة من الدول الإفريقيَّة نحو (212.7) مليون ريال عُماني في عام (2025)، مقابل (122) مليون ريال في (2024)، بنمو يقارب (74%).
وعلى الجانب الآخر بلغت الصادرات السلعيَّة العُمانيَّة غير النفطيَّة وإعادة التصدير إلى الأسواق الإفريقيَّة نحو (249.2) مليون ريال في (2025)، مقابل (217.7) مليون ريال في العام السابق، بزيادة تقارب (14.4%).
وبجمع البندين، تقترب قِيمة الحركة التجاريَّة المسجَّلة مع إفريقيا من (462) مليون ريال في (2025)، مقارنة بنحو (340) مليون ريال في (2024)، بنُمو يقارب (36%).
ولا تقتصر أهميَّة هذه الأرقام على حجمها، وإنما على دلالتها الاقتصاديَّة، حيث تظهر بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تنوعًا في الشركاء الأفارقة؛ إذ جاءت تنزانيا وكينيا وجنوب إفريقيا وموزمبيق ضمن أبرز وجهات الصادرات العُمانيَّة غير النفطيَّة وإعادة التصدير، بينما تصدَّرت تنزانيا ونيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا مصادر الواردات من القارَّة، وهذا التنوع يوفِّر أساسًا يمكن البناء عليه لتوسيع التجارة من السِّلع التقليديَّة إلى الاستثمارات وسلاسل القِيمة.
وتتزامن هذه المؤشِّرات مع توجُّه عُماني واضح نحو بناء أُطُر مؤسَّسيَّة للتعاون الاقتصادي مع الدول الإفريقيَّة. ففي جانب العلاقات العُمانيَّة الروانديَّة مثلًا تمَّ توقيع اتفاقيَّات ومذكرات تفاهم شملت مجالات الزراعة والخدمات اللوجستيَّة والموانئ البَرِّيَّة والجافَّة وسلاسل الإمداد وترويج الاستثمار والشراكة الاستثماريَّة. كما امتدَّ التعاون بينهما إلى مراكز البيانات والحوسبة السحابيَّة والذَّكاء الاصطناعي وتعزيز الربط الجوِّي.
وبشأن العلاقات العُمانيَّة الجزائريَّة فقد اتَّخذ التعاون الاقتصادي بُعدًا استثماريًّا أكثر وضوحًا من خلال الاتفاق على إنشاء صندوق استثماري عُماني جزائري بقِيمة (300) مليون دولار مع التركيز على الأمن الغذائي والصناعات الدوائيَّة والمعادن والتعدين، إلى جانب التعاون في مشاريع التعدين والطاقة والصناعات المرتبطة بها.
أمَّا مع أنجولا، فتتَّجه مجالات التعاون المطروحة إلى قِطاعات ذات قِيمة استراتيجيَّة، من بينها التعدين والطاقة النظيفة والتكنولوجيا والسياحة والزراعة والأمن الغذائي والنقل والخدمات اللوجستيَّة والموانئ، وهي قِطاعات تتقاطع بصورة مباشرة مع احتياجات الاقتصادات الإفريقيَّة ومع القدرات التي تستطيع عُمان تطويرها من خلال موقعها وبنيتها الأساسيَّة وموانئها.
ومن الناحية الاقتصاديَّة، فإنَّ الفرصة الحقيقيَّة لا تكمن في زيادة قِيمة التجارة فقط، وإنما في تغيير طبيعتها، حيث إن القارَّة الإفريقيَّة تمتلك موارد طبيعيَّة واسعة وأسواقًا سكانيَّة كبيرة وحاجة متنامية إلى البنية الأساسيَّة والطاقة والغذاء والخدمات اللوجستيَّة والتقنيَّات الحديثة، بينما تمتلك سلطنة عُمان موقعًا بحريًّا استراتيجيًّا وموانئ ومناطق اقتصاديَّة وخبرة في قِطاعات الطاقة والتعدين واللوجستيَّات.
لذلك هناك مؤشِّرات بأنَّه يمكن أن تتطورَ العلاقة العُمانيَّة الإفريقيَّة من تجارة ثنائيَّة إلى شراكات إنتاجيَّة واستثماريَّة، تجعل من سلطنة عُمان منصَّة لربط المنتجات والموارد الإفريقيَّة بأسواق الخليج وآسيا، فيما تفتح أمام الشركات العُمانيَّة فرصًا جديدة في الأسواق الإفريقيَّة.
وعليه، تكتسب إفريقيا موقعها المتقدم في السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة نحو أن تصبحَ شريكًا اقتصاديًّا متوقعًا في مسار التنويع والاستثمار وبناء المصالح المشتركة، حيث إن الأرقام الحاليَّة تشير إلى اتِّجاه صاعد، في حين أن التحدِّي المقبل هو تحويل هذا الاتِّجاه إلى شراكة اقتصاديَّة مستدامة ذات قِيمة مضافة للطرفين.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»