تُعِيد سلطنة عُمان اليوم بناء ترابطها مع القارَّة الإفريقيَّة الجارة، وفق آليَّات العصر ومتغيِّراته، مستندةً إلى تاريخٍ تليدٍ وطويلٍ من العلاقات التجاريَّة والسياسيَّة والإنسانيَّة التي ربطت العُمانيين بشعوب القارَّة، وجعلت من سواحلها وموانئها امتدادًا طبيعيًّا للحضور العُماني عبر قرون. وقد شعرتُ، وأنا أتابع زيارة «الدولة» التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهوريتَي بوتسوانا وأنجولا، أن عُمان لا تفتح طريقًا جديدًا بقدر ما تُعِيد تمهيد طريقٍ قديمٍ، مضى فيه الأجداد وصنعوا تاريخًا يشهد به القاصي والدَّاني. لكنَّ الجديد هنا أن عُمان تستخدم هذه المرَّة أدوات الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي؛ فالزيارة ـ وما سبقها من لقاءات جمعت عاهل البلاد المُفدَّى بالقادة الأفارقة ـ تتجاوز العلاقات الثنائيَّة مع دولتين إفريقيتين؛ لِتكشفَ عن توجُّهٍ أوسع نحو قارَّة ارتبطت بمحطَّاتٍ مهمَّةٍ من التاريخ العُماني، وأسْهَم التواصل معها في ازدهار التجارة، واتِّساع النفوذ، وبناء حضورٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ عابرٍ للبحار.
إنَّني أرى أن تلك الزيارة تعبِّر عن تعهُّد جلالة السُّلطان المُعظَّم، منذ تولِّيه مقاليد الحُكم، بتجديد النهضة العُمانيَّة. وأحسب أن التجديد هنا لا يعني الانفصال عن التجربة التاريخيَّة؛ فهو يستند إلى قراءةٍ واعية لها، ومعرفةٍ دقيقةٍ بالأسباب التي منحت عُمان قوَّتها ومكانتها في مراحل ازدهارها. فقد كانت حركة السفن العُمانيَّة واتِّصالها بالأسواق الإفريقيَّة إحدى ركائز ذلك الازدهار؛ إذ حمل العُمانيون تجارتهم وثقافتهم وقِيَمهم إلى القارَّة، وعادوا منها بفرصٍ وخبراتٍ وعلاقاتٍ تركت أثَرها في المُجتمع والاقتصاد. لذلك، يبدو توسيع العلاقات مع إفريقيا امتدادًا طبيعيًّا لفكرة تجديد النهضة؛ لأنَّ بناء المستقبل لا يبدأ دائمًا من اكتشاف طرقٍ مجهولةٍ، وقد يبدأ من إعادة قراءة الطُّرق التي عرفها الأجداد، ثم السَّير فيها بوسائل جديدةٍ وأهدافٍ تناسب احتياجات الدولة الحديثة.
ولم تأتِ زيارتا بوتسوانا وأنجولا منفصلتين عن حركةٍ متنامية في العلاقات العُمانيَّة الإفريقيَّة؛ فقد سبقهما استقبال سلطنة عُمان للرئيس الرواندي بول كاجامي؛ لِتُشكِّلَ الزيارات المتبادلة ملامح توجُّهٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ يتَّسع تدريجيًّا داخل القارَّة، ويمتد بين شرقها وجنوبها. وفي بوتسوانا تحديدًا، بدأت العلاقة تنتقل سريعًا من مرحلة التأسيس إلى المشروعات الفعليَّة، وهو ما يظهر في اتفاقيَّة التعاون في الطاقة المُتجدِّدة، ووضع حجر الأساس لمحطَّة الطاقة الشمسيَّة في منطقة «ماون». كما تفتح قِطاعات التعدين والزراعة والخدمات الماليَّة والصناعات التحويليَّة فرصًا يمكن أن تحققَ قِيمة مضافةً للطرفين، خصوصًا أن بوتسوانا تمتلك ثرواتٍ من النحاس والألماس والفحم، بينما تحمل أنجولا، بدورها، إمكاناتٍ اقتصاديَّة ومواردَ واسعةً تجعلها شريكًا واعدًا ضمن هذا المسار.
إنَّ التوجُّه نحو إفريقيا يقدِّم صورةً عمليَّة لسياسةٍ عُمانيَّة تعرف أين تضع خطواتها، وتوازن بين رصيدها التاريخي ومتطلبات مصالحها الرَّاهنة. فالقارَّة السَّمراء لم تَعُد تُختزل في كونها مصدرًا للموارد؛ فقد أصبحت سوقًا كبيرةً، وتتطور تجاربها التنمويَّة، وتتَّسع فرصها الاستثماريَّة، وتتنامى مكانتها في الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق، تستطيع عُمان أن تدخلَ تلك الشراكات بما تمتلكه من استقرارٍ، وموقعٍ استراتيجيٍّ، وخبراتٍ في الموانئ والخدمات اللوجستيَّة والطاقة والاستثمار، وأن تحوِّلَ علاقاتها التاريخيَّة إلى مصالح مستدامةٍ تخدم رؤيتها الاقتصاديَّة، وتفيد الجانب الإفريقي، الذي تُؤكِّد المؤشِّرات كافَّةً أنَّه صاعدٌ بقوَّةٍ. كما أن زيارة جلالة السُّلطان إلى بوتسوانا وأنجولا تُعِيد التاريخ العُماني إلى مساره الطبيعي: تاريخٌ يتحرك نحو إفريقيا، ويتفاعل معها، ويصنع من هذا القرب الجغرافي والإنساني طريقًا جديدًا للنهوض المشترك.
إبراهيم بدوي