الأربعاء 16 سبتمبر 2026 م - 4 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

سرقة «الانتباه» لصناعة السياسة والاقتصاد

سرقة «الانتباه» لصناعة السياسة والاقتصاد
الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 02:54 م

جودة مرسي

قالوا قديمًا: إن أغلى ما يملكه الإنسان هو وقته، ثم اكتشفنا متأخرين أن الوقت وحده لم يَعُد كافيًا؛ فهناك من يريد شيئًا أكثر قِيمة، وهو (انتباهك). أنتَ لا تدفع شيئًا عندما تشاهد مقطعًا مدَّته ثلاثون ثانية، أو عندما تضغط على إعلان. هناك شركات ومؤسَّسات وقنوات تستطيع أن تربحَ من هذه الثواني أكثر ممَّا تتخيل. قد يظن الإنسان أنَّه يستخدم الهاتف، بينما الهاتف والمنصَّة والإعلان والخوارزميَّة يتنافسون جميعًا على استخدامه؛ ليتحوَّلَ السؤال من (ماذا ستشتري اليوم؟) إلى (مَن يستطيع أن يجعلَك تنظر وتفكر في الشراء؟). فكل ثانية تنظر فيها إلى الشاشة لها قِيمة اقتصاديَّة، وكل نقرة يمكن تحويلها إلى بيانات، وكل إعجاب يكشف تفضيلًا، وكل بحث يضيف معلومة جديدة، وكل دقيقة تقضيها في منصَّة ما تجعلها أكثر قدرة على معرفة الشيء الذي سيجعلك تبقى دقيقة أخرى. وهكذا تحوَّلت حياتنا اليوميَّة إلى سوق هائل، لم يَعُد يبيع لنا المنتجات فقط، بل يبيع انتباهنا لمن يدفع أكثر. أنتَ تدخل إلى منصَّة لتقتلَ بعض الوقت، بينما هناك خوارزميَّات تعمل في الخلفيَّة لكي تمنعَك من قتل الوقت أصلًا، تعطيك فيديو بعد فيديو؛ لأنَّ هناك نموذجًا اقتصاديًّا كاملًا يقوم على إبقائك أمام الشاشة لأطول وقت ممكن.

هنا بدأت المنافسة الحقيقيَّة في القرن الحادي والعشرين. لم تَعُد الشركات تتنافس فقط على أموالك، بل تتنافس على عينيك، ومَن يملكها لفترة أطول، ثم يصل إلى جيبك في النهاية. والمسألة لا تتوقف عند الاقتصاد؛ فالذي يستطيع أن يقررَ ماذا ترى، يستطيع أيضًا التأثير في ماذا تفكر. وهنا ينتقل اقتصاد الانتباه إلى قضيَّة سياسيَّة واجتماعيَّة. فإذا كان من الممكن أن تختارَ الخوارزميَّة لك الأخبار التي تراها، والآراء التي تظهر أمامك، والأشخاص الذين تستمع إليهم، والأحداث التي تختفي من أمامك، فإن السؤال لم يَعُد: هل أنتَ حُر في اختيار رأيك؟ بل أصبح: مَن اختار لك الأشياء التي ستبني عليها قرارك أو رأيك؟ بعد أن أصبحنا نعيش في أكثر العصور وفرةً بالمعلومات، بضخِّ ملايين الكلمات والإعلانات من ماكينات الكلام في رؤوسنا كل يوم، نحن نعيش عصرًا غير مسبوق في القدرة على توجيه الانتباه بعيدًا عن المعلومات المحفورة. المُشْكلة إذن ليست أنَّنا لا نعرف المُشْكلة، بل نعرف فقط ما تمَّ اختياره لنراه. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقيَّة لاقتصاد الانتباه، مع خوارزميَّة التاجر الذي لا يبيع لك شيئًا قبل أن يبيعَك لنفسك؛ لأنَّ معرفة الإنسان أصبحت أصلًا اقتصاديًّا. فهي لا تحتاج أن تعرفَ اسمك أو عنوانك، يكفي أن تعرفَ سلوكك: ماذا تحب وماذا تكره. إنها دائرة اقتصاديَّة عبقريَّة تراقبك لكي تفهمَك، وتفهمك لكي تجذبَك، وتجذبك لكي تبيعَ انتباهك، حتى تستخدمَ الخوارزميَّات عاداتنا لكي تصنعَ لنا عادات جديدة. ويأتي الإعلان كصيَّاد بصورة جاذبة، حتى وصل الأمر أن يعرفَ متى تكون مستعدًّا نفسيًّا لشرائه في اللحظة الأكثر تأثيرًا؛ ليتحوَّلَ الأمر من بيع المنتج إلى شيء أكثر عمقًا، وهو هندسة الرغبة بأن تريدَ شيئًا قبل أن تدركَ أنَّك تريده.

إذا كان الاقتصاد اكتشف قِيمة الانتباه، فلماذا تترك السياسة هذه الثروة الهائلة؟ السياسي لا يحتاج دائمًا إلى أن يقنعَك ببرنامجه كاملًا، يكفي أن يجعلَك تغضب، والغاضب وتتابع الخائف والمستفَز؛ لِينشأَ الصراع الذي يجذب الانتباه. فانتشرت البرامج غير دقيقة المحتوى أو عديمة الفائدة، وهي الأكثر استفزازات؛ لِتبدأَ المعركة، ويجلس ملايين البشر أمام الشاشات يتبادلون الغضب، بينما مؤشِّر المشاهدة يرتفع. والمفارقة المذهلة أنَّك قد تختلف مع شخص تمامًا، لكنَّك تمنحه من وقتك أكثر ممَّا تمنحه لمن تتفق معه؛ فيتحول الغضب إلى أكثر ربحيَّة من الهدوء، والجدل أكثر انتشارًا من الحوار، والفضيحة أكثر جذبًا من الإنجاز، والصوت الأعلى أكثر قدرةً على الوصول من الفكرة الأفضل. ثم يأتي دور المنافس الجديد على عقولنا، وهو الذَّكاء الاصطناعي الذي يستطيع أن يصنعَ في لحظات ما كان يحتاج سابقًا إلى ساعات، وشخصًا افتراضيًّا يتحدث إليك بالطريقة التي تحبُّها.

وأخيرًا يأتي السؤال الأكثر أهميَّة في هذا المقال: هل نستطيع استعادة السيطرة على عقولنا؟

لِنصلَ إلى الجزء الذي لا تستطيع التكنولوجيا الإجابة عنه؛ لأنَّ المُشْكلة في النهاية ليست الهاتف، ولا الخوارزميَّة، ولا الإعلان، ولا الذَّكاء الاصطناعي، بل المُشْكلة أنَّنا سلَّمنا جزءًا من انتباهنا طواعية بفتح الهاتف والتصفح دون سبب. ننتقل من فيديو إلى آخر، ونقضي ساعات تمرُّ نعرف أنَّها لن تعودَ، ومع ذلك نفعلها مرَّات أخرى؛ لأنَّ اقتصاد الانتباه لا يحتاج إلى إجبارنا، يكفي أن يجعلَ الإغراء أسهل من المقاومة. إنَّ أكبر إنجاز للإنسان يمكن تحقيقه في هذا العصر أن يمتلكَ شيئًا أصبح نادرًا، وهو (الانتباه)؛ لأنَّ الإنسان الذي لا يستطيع التحكم في انتباهه، من الصعب أن يدِّعيَ أنَّه يتحكم في قراراته.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»