من فضل الله ورحمته للإنسان أن أكرمه غاية التكريم وميَّزه عن سائر المخلوقات وأنعم عليه بالعديد من النِعَم، ومن هذه النِعَم (نعمة البصر)، قال الله تعالى:(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) (البلد ـ 8).
إنّ ديننا الإسلامي هو دين رحمة ومحبة، ويوجّه المسلمين تنفيذ الأوامر الإلهية والسنة المحمدية وترسيخ الخصال الحميدة والمعاملة الحسنة، ومجتمعا تحيا به حياة الدين الصادقة التي لا يكدرها شهوات في حياتهم، وتعد (نعمة البصر) من أهم الجوارح التي تبدأ منها أول وسائل التعارف والتواصل بين الناس، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه النعمة العظيمة في كتابه العزيز في العديد من السور المباركة، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:(قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (الملك ـ 23).
و(نعمة البصر أو العينين) من فقدها فقد أعظم الجوارح في جسمه ويقاسي في مضايقات في حياته ويعيش صبرًا عظيمًا على فقدان هذه النعمة، ويجب على من أنار الله بصره بصحة وعافية تكون كل حركة ونظرة في رضا وطاعة الله، ومن أعظم الفتن التي انتشرت في هذا الزمان إطلاق البصر بين الرجال والنساء، فكم من الجنسين انتكس وسار في طريق الشيطان بعدما كانوا يعيشون في ذكر وطاعة ومحاسبة النفس عن الذنوب والمعاصي، ومن خلال إطلاق البصر وهوى النفس والشيطان وقع في مصيبة الزنا، وبإطلاق البصر في نظر الشهوات ازداد القلب شهوته ووسوس له الصور المحرمة وأصبح بعيدًا عن الذكر والتفكر فيما يعود له في سجل حسناته، فالعينان هاتان النعمتان العظيمتان هما نور يضيء إلى القلب، فإذا الإنسان حفظ بصره وجاهد نفسه والشيطان ارتاح القلب من هذه الشهوات المهلكة، قال الله تعالى:(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (النور ـ 30)، وقال تعالى:(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء ـ 36).
إنّ البعض من الناس ابتلاه الله بفقد بصره، والتي تُعدُّ أهمُّ وأعظمُ وأحبُّ النعم للإنسان، فله الأجر والثواب لمن ابتلاه الله في بصره فصبر واحتسب ورضا بما أعطاه الله في هاتين الجهورتين المحبوبتين التي فقد بهما العديد من المشاهد في الدنيا، فصبر وشكر واحتسب الأجر من الله، فهاتان العينان شاهدتان له يوم الحساب، وما أعظمه من خسران لمن سخَّر (نعمة البصر) فيما يُغضب الرحمان وتكون تلك النعمة شاهدة عليه في كل نظرة حرمها العزيز الرحيم، وعظيم الفوز والتوفيق الذي اتبع أوامر الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حفظ (نعمة البصر) فينال محبة ورضا الله، وبرحمة الله ينال الجنة، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قال اللهُ عزَّ وجلَّ:(إذا ابتليتُ عبدي بحبيبَتَيه -يريد عينَيه- ثم صبَر، عوَّضتُه الجنَّةَ) (رواه البخاري).
ولإطلاق البصر علاج وأمور يجب إتباعها حتى نكون في رضا الرحمن والفوز بالجنان: (1) من غضَّ بصره سيجد في قلبه حلاوة ايمانية تزيده استشعارًا وحبًّا في رضا الرحمن وتبعده عن مهالك وسوسة الشيطان والنفس الامّارة بالسوء وعليه أن يستشعر أن الله يراه في كل نظرة ينظر إليها، (2) من أراد إصلاح نفسه وتطهيرها من الذنوب والمعاصي فعليه (غضُّ البصر) لأنه أحد الأسباب المهلكة بصاحبها في أتباع النظرات التي تجعل القلب يتعلق في هذه النظرات ويورث الندامة والحسرة، (3) العين من أعظم الجوارح الحساسة في جسم الإنسان وكل حركة ونظرة نظرت إليها هاتان الجوهرتان ستكون يوم القيامة خير دليل على الشهادة لنظره في الدنيا وتكون الشهادة حسب كل النظرات في الدنيا، (4) عندما تنظر هاتان العينان إلى ما حرم الله فتتجمع المعاصي والذنوب في القلب وتتحول ذنوب وذنوب سوداء وتقضي في القلب إلى الوساوس والذنوب والشبهات وتجر المعاصي والموبقات في نظرات محرمة متعددة حتى يبتلى الإنسان في ذنوب تلك النظرات المحرمة وينشغل القلب بهذه النظرات المحرمة، (5) في المحافظة ومحاسبة شديدة للنفس في غض بصر يعيش المجتمع بعيدا عن الوقوع في المحرمات والزلات ويحفظ المجتمع من عدم اقتراب من شر الزنا، (6) من عود نفسه واطلق عنان بصره في الحرام سوف تأخذ به هذه النظرات في الذنوب والمعاصي وقساوة القلب، قال الله تعالى:(أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (العلق ـ 14)، فما موقفه وهو يحدق في نظرات الحرام سواء في الشاشات أو على الطبيعة أو أي مكان فعليه غض بصره عن كل محظورات الحرام.
وعن أحوال السلف الصالح حول هذا الخُلق العظيم، قال أحد السلف:(من عَمَّرَ ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم لم تخطئ له فراسة)، وقال عبد الله بن أبي الهذيل:(دخل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ على مريض يعوده ومعه قوم، وفي البيت امرأة، فجعل رجل من القوم ينظر إلى المرأة، فقال عبد الله ـ رضي الله عنه: لو انفقأت عينك كان خيرًا لك)، وقال أبو حكيم:(خرج حسان بن أبي سنان يوم العيد، فلما رجع، قالت له امرأته: كم من امرأة حسنة قد نظرت اليوم؟ فلما أكثرت، قال: ويحك ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك حتى رجعت إليك)، وقال وكيع ابن الجراح:(خرجنا مع سفيان الثوري في يوم عيد، فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا غضُّ أبصارنا)، وقال بعض السلف:(مَنْ حفظ بصره، أورثه الله نورًا في بصيرته، أو في قلبه).
والمسلم عليه أن يتفكر ويتدبر في غض البصر في كل ما حرمه الشرع الشريف ويجاهد ويحاسب نفسه قبل إطلاق بصره فيما يغضب الله ويحذر عذاب وهلاك سخط العليم الخبير، ويُسخِّر هاتان العينان فيما يرضي صاحب الكرامات والمنحات الربانية رب الأرض والسماوات، ويعيش المسلم في حياته في مواقف ومواقع تكون بعضها امتحان وابتلاء فيُبتلى في مواقف ومشاهد عديدة مختلفة وخاصة من يتعامل مع النساء الاجنبيات وعليه أن يتذكر أنه في دار ابتلاء ويصبر ويجاهد قلبه وعيناه في حفظ البصر، وقد وجَّه سيد البشرية حبيبينا وسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) لسيدنا علي ـ كرَّم الله وجهه:(يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)، وعدم المحافظة على هذه النعمة العظيمة والوقوع في ذنب النظر المحرم سيئة كبيرة، وإن لم تشعر بالذنب في تلك اللحظة عندما لم تغض بصرك وهذه مصيبة عظيمة لا بد أن تسارع وتسابق بحسنات وطاعات لتسلك العينان فيما يرضي الرحمن ويعيش الإنسان في اطمئنان، فعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: أصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم)، فبِغضِّ البصرِ يحيا القلب بفضل الله عن التعلق بمشاهدات المحرمة، ويعيش القلب بعيدًا عن شهوات خاطفة ويستنار بمذاق خاص برحيق الإيمان ومذاق الطاعات لأن القلب عندما يحيا مع ذكر الله والخوف يكون متعلقًا بخالقه.
مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني