الأربعاء 16 سبتمبر 2026 م - 4 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

«لا» النافية للجنس ودورها العقدي فـي الأداء القرآني «1»

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 02:01 م


في لغتنا العربية الجميلة كلمات تلبي ما في نفس المؤمن وروحه، وتنهض لبيان قيمة إيمانه، وعمق اعتقاده وجلال وصاله بربه، وحسن استقباله للابتلاء، وتجذر اتصاله بربه.

ومن ذلك (لا) النافية للجنس التي تعمل عمل (إنَّ)، ولاسمها أنواع، منه المفرد، ومنه المضاف، ومنه الشبيه بالمضاف، ولها شروط لكي تعمل عمل (إنَّ)، يمكن مراجعتها في مظانها من كتب النحو المعتمدة، وخصوصا المتعمقة التي تدقق في معانيها العقدية، وما تحدثه من دلالات أزلية، ومعان سرمدية، وأحكام تعبدية، مستمرة، واعتقادات لا تلين، أو يتردد فيها مؤمن صحيح الإيمان، كريم الإحسان، كامل البيان، عميق الاطلاع، والتضلع.

ونأخذ هنا نماذج لتلك المعاني، وهاتيك الدلالات من خلال الكتاب الكريم، والسُّنَّة المطهَّرة: يقول الله تعالى على لسان سحرة فرعون عندما التقوا مع سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ ورأوا ما رأوه من صدق عصاه التي تحولت إلى ثعبان مبين، التقم كلَّ ما صنعوه من زيف، وخداع لا ينطلي على أمثالهم، ووقعوا، وخَرُّوا ساجدين لله رب العالمين، فهددهم فرعون بتقطيع الأيدي، والأرجل من خلاف، والتصليب في جذوع النخل، وإذاقتهم سوء العذاب، فنراهم قد علقوا على تهديده، ووعيده، وبرقه، ورعوده، بقول يسير، أحرقه، وضيَّق عليه نفسه، وأزهق روحَه عندما أسمعوه عن قرب قولهم:(قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلى رَبِّنَا مُنقَلِبُون، إِنَّا نَطمَعُ أَن يُغفَر لَنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَلُ المُؤمِنين).

والناظر هنا يجد أنهم قد استعملوا تركيب (لا) النافية للجنس:(لا ضير)، فهو (أي ضير) اسم (لا) مفرد، مبني على الفتح، في محل نصب، وخبره هنا محذوف تقديره:(علينا، أو بنا)، والمعنى هنا أننا لا يقع علينا جنس الضير، أو الضرر، أو الخوف، والوجل، فكل ما هددتنا به يا فرعون، إنما هو هباء، وخيبة منه، وخواء، وصرخة راحت أدراج الرياح، ودمدمة، وجعجعة، لا وزن لها، ولا طحين من ورائها؛ لأننا تأكدنا أن لنا ربا غيرك، هو أولى بالخشية منك، والدينونة لا تكون إلا لجلاله، وكماله، وأين أنت من ذلك؟!، إنك أحقر من أن تقدم لنا حياة، أو أن تُسلب منا ساعة من حياة، فلا ضير، أي اركب أعلى ما في خيلك، وأقبلْ عليهم بخيلك، ورَجِلِكَ، إنا إلى ربنا منقلبون، وأصبح لسان حالهم قوة اعتقادية، فولاذية، لا تخشى أحدا على الإطلاق، وانبرى لسانهم بألوان الفصاحة، وأشكال البيان في الوقت الذي يكون غيرهم متلجلجا، مضطربا، قلقا، تدور عيناه كالذي يُغْشَى عليه من الموت، لكن موقفهم العقدي مشرِّف، حتى إنهم قالوا:(لا ضير)، ولم يكملوا خبر(لا) وهو:(لا ضير بنا، أو لا ضير علينا)، فكأنهم فنيت نفوسهم، ونسوا أنفسهم أمام قدرة الله، فتركوا الخبر يفهم من السياق؛ حياء من الله، وتقديرا لعظمته، ثم رأيت كيف راح لسانهم يتفوَّه بـ(نا) العظمة أمام فرعون، وهو المتغطرس الكبير، والمتكبر الخطير، والزُّمَّيْل (بضم الزي مشددة، وفتح الميم مشددة، وسكون الياء) الحقير الذي قال يومًا:(أنا ربكم الأعلى)، وراح يزمجر، ويُزْبِد، ويُرْعِد، مهدِّدًا، مخوِّفًا، متوعِّدًا، ومبرقًا، ومرعدًا، ومزبدًا، وهم ثابتو الجنان، راسخو الإيمان، ما تحركت أمام تهديده، وعنفوان وعيده شعرة من تحت إبطهم، أو شعرة في صدرهم؛ لأنه بالنسبة لهم رجل خائب، راسب، فاشل، لا يملك لنفسه شيئًا، ولا يمكنه أن يدفع عن نفسه شيئًا، وهو تافه حقير، لا وزن له، أمام أصحاب العقائد الراسخة، والقلوب التي تعلقت بالله واثقة، وفي رحمته تواصلت، وارتبطت بها، عاشقة، فنسوا أنفسهم، فلم يذكروا خبر (لا)، وراحوا يلقنونه درسًا لم ينسه، ولا، ولن ينساه، وعلموه معنى الوثوق بالله، والاعتقاد في جليل قدرته، وجلال هيمنته على كونه، وما همهم منه تهديد ولا أخافهم منه أي عربدة، أو عويل، ووعيد.

وجاء التعبير بعبارات حارقة، وجمل رائقة، تحمل إيمان قلوب بربها متعلقة، وبالله جدًّا واثقة:(قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنقَلِبُون، إِنَّا نَطمَعُ أَن يَغفِر لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَلُ المُؤمِنين)، إنه تعبير يببن مدى إيمانهم، وعمق اعتقادهم، وسامي وصالهم، وجميل إيمانهم، وكأنهم من كبار الدعاة، وأرباب الفصاحة، وأساطين البيان.

فجاء استعمال (لا) النافية للجنس، وما بعدها؛ ليبين الذي يحدثه، ويفعله الإيمان في قلوب الخلق عندما يعلمون بقدرة الحق، ولا يدينون لغيره بالولاء، والبراء، ويعبرون بقلب امتلأ بعز النقاء، وطهر الانتماء لرب الأرض، وإله السماء.


د.جمال عبدالعزيز أحمد

كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]