الأربعاء 16 سبتمبر 2026 م - 4 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

احذروا الركون «2»

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 02:00 م

أيها القراء الكرام.. أستكمل مع حضراتكم هذا الموضوع حول (الحذر من الركون إلى ظلم أيًّا كان)، وتوقفنا عند قول الإمام الحسن (البصري) رحمه الله: (جعل الله الدين بين لاءين «لا تَطْغَوْا»، و«لا تَرْكَنُوا») (الكشاف للزمخشري، عند تفسير هود: 113)، ويعلل صاحب كتاب (معترك الأقران، 1/‏ 295): (ولما كان الركون إلى الظالم مجرد ميل، واعتماد دون مشاركة في الظلم، كان العقاب عليه دون عقاب الظالم نفسه، فجاء التعبير القرآني بالمسّ الذي هو دون الإحراق والاصطلام، إشارة إلى أن مجرد الميل يعرّض صاحبه للعقوبة).

وقد أوضح الشعراوي (أن الركون هو الميل والمودة والمجاملة، وأن أدنى مراتبه ألا تمنع الظالم من ظلمه، وأعلاها أن تزين له ظلمه وتزينه للناس، وفي ذلك تشجيع له على التمادي في الباطل، والركون هو الميل والسكون والمودة والرحمة، وأنت إذا ركنت للظالم؛ أدخلت في نفسه أن لقوته شأناً في دعوتك، والركون أيضاً يعني: المجاملة، وإعانة هذا الظالم على ظلمه، وأن تزِّين للناس ما فعله هذا الظالم، وآفة الدنيا هي الركون للظالمين؛ لأن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم، والاستشراء فيه، وأدنى مراتب الركون إلى الظالم ألا تمنعه من ظلم غيره، وأعلى مراتب الركون إلى الظالم أن تزين له هذا الظلم؛ وأن تزين للناس هذا الظلم، وأنت إذا استقرأت وضع الظلم في العالم كله لوجدت آن آفات المجتمعات الإنسانية إنما تنشأ من الركون إلى الظالم؛ لكنك حين تبتعد عن الظالم، وتقاطعه أنت ومن معك؛ فلسوف يظن أنك لم تُعرْض عنه إلا لأنك واثق بركن شديد آخر؛ فيتزلزل في نفسه؛ حاسباً حساب القوة التي تركن إليها؛ وفي هذا إضعاف لنفوذه؛ وفي هذا عزلة له وردع؛ لعله يرتدع عن ظلمه، والركون للظالم إنما يجعل الإنسان عرضة لأن تمسه النار بقدر آثار هذا الركون فأنتم حين تركنون إلى ظالم إنما تقعون في عداء مع منهج الله؛ فيتخلى الله عنكم ولا ينصركم أحد؛ لأنه لا وليَّ ولا ناصر إلا الله تعالى) (تفسير الشعراوي، 11/‏ 6715).

فالميلٍ القلبي أو المشاركةٍ العابرة، انحرافٌ خطير يهدد صفاء الإيمان وسلامة المجتمع، ولهذا جاء التحذير الإلهي صريحًا في الآية الكريمة تحمل إنذارًا شديدًا، يبين أن مجرد الميل أو المودة أو الاعتماد على الظالمين يعرّض المؤمن لسخط الله وعذابه، ويؤكد هذا القول الإمام محمد أبو زهرة، جاء في زهرة التفاسير (7/‏ 3763)»: (إنّ الركون يتضمن الاستناد والميل، والتودد للظالم، والتقرب منه، ومعاونته في أمره، وأن النهي عن مساندة من وقع منه ظلم ولو لم يكن متصفًا بالظالمين، فكيف بمن كان الظلم عادة له وسياسة مستمرة، وقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله: «ومن سعى مع ظالم فقد سعى إلى جهنم»، لأنه عاونه في ظلمه، ولو أن الذين يظلمون لا يجدون من يعاونهم، ويمانعهم، وينصرونهم على المظلومين ما استمروا يرعونها، حتى تكون فيها أشواك الأذى الممزقة، وذلك لآن الركون إلى الظالمين ليس مجرد خطأ عابر، بل هو انحراف يهدد العقيدة والأخلاق والمجتمع. لذلك وجب على المؤمن أن يكون ثابتًا في موقفه، رافضًا للظلم وأهله، متمسكًا بالحق والعدل، جاعلا نصب عينيه ومستحضرًا دائمًا قوله تعالى:(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)، وفي موضع آخر يبين الإمام الطبري:(أن في الآية دلالة بينة على أن الله نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، وقبول شيء مما يأتون به على وجه النصيحة، إذ إنهم يستبطنون الضغن والحسد وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ذلك) (تفسير الطبري، 2/‏ 470).

ولو تأملنا هذا القول للإمام الطبري، لوجدنا أنه يتفق بل وينسجم مع ما ذكره أهل اللغة والبيان، وكيف ذلك؟.. هذا ما سنتناوله في المرة القادمة بإذن الله تعالى.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]