الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 م - 3 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن الحضور السامي وقوة المصالح المشتركة

الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026 03:00 م

رأي الوطن

تكتسب الزيارات التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى الدول الشقيقة والصَّديقة أهميَّة تتجاوز برنامج المباحثات وما ينتج عنه من اتفاقيَّات؛ فهي تُمثِّل إحدى أكثر أدوات الدَّولة تأثيرًا في بناء العلاقات الخارجيَّة وتوجيهها نحو أهداف واضحة تخدم المصالح الوطنيَّة. ومع بدء جلالته اليوم زيارتَي دولة إلى جمهوريتَي بوتسوانا وأنجولا، تتجلى رؤية عُمانيَّة تدرك أن التحوُّلات العالميَّة الراهنة تفرض توسيع شبكة الشراكات، وعدم حصر المصالح في الدوائر والأسواق التقليديَّة، خصوصًا أن المكانة الدوليَّة للدول لم تَعُد تقاس باتِساع علاقاتها السياسيَّة وحده، وإنما بقدرتها على تحويل تلك العلاقات إلى فرص اقتصاديَّة وتنمويَّة، ومساحات للحضور والتأثير، وقنوات تحمي مصالحها في عالم تتسارع فيه المنافسة على الموارد والأسواق ومواقع النفوذ.

ولعلَّ القوَّة الحقيقيَّة للزيارات السَّامية تكمن في أنها ترفع مستوى العلاقة من التواصل الدبلوماسي المعتاد إلى الإرادة السياسيَّة العُليا؛ فتمنح ملفات التعاون زخمًا أكبر، وتختصر مراحل طويلة من التنسيق، وتفتح الأبواب أمام المؤسَّسات الحكوميَّة والقِطاع الخاص للانتقال من استكشاف الفرص إلى بناء الشراكات. وفي هذا السياق، يحمل التوجُّه نحو بوتسوانا وأنجولا دلالةً استراتيجيَّة على اهتمام سلطنة عُمان بتوسيع حضورها في القارَّة الإفريقيَّة، بوصفها مساحةً صاعدةً تمتلك موارد وأسواقًا وفرصًا للنُّمو، وليست امتدادًا جغرافيًّا للعلاقات التاريخيَّة فحسب. ويمنح ذلك التوجُّه السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة مرونةً أوسع، ويقلِّل الاعتماد على نطاق محدود من الشركاء، ويوزِّع المصالح الاقتصاديَّة على أسواق مُتعدِّدة، بما يُعزِّز قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع التقلُّبات والتحوُّلات الدوليَّة.

وتظهر طبيعة الوفد الرَّسمي المُرافق لجلالة السُّلطان المُعظَّم أن الدبلوماسيَّة العُمانيَّة تتَّجه إلى الربط المباشر بين الحضور السياسي وصناعة الفرص الاقتصاديَّة؛ فمشاركة المسؤولين عن الاستثمار والتجارة والصناعة تعني أن الزيارتين تحملان أجندةً تنفيذيَّة تتطلع إلى نتائج قابلة للتحوُّل إلى مشروعات وتدفُّقات استثماريَّة وتبادل تجاري. كما أن ما تتمتع به بوتسوانا وأنجولا من إمكانات في التعدين والطاقة والزراعة والأمن الغذائي يلتقي مع احتياجات سلطنة عُمان وأولويَّات تنويع اقتصادها، فيما تمنح الموانئ العُمانيَّة والمناطق الاقتصاديَّة والبنية اللوجستيَّة المتقدِّمة البَلديْنِ منفذًا واعدًا إلى أسواق الخليج وآسيا. ومن هنا تنشأ قِيمة الشراكة المتكافئة، حيث تقوم على تكامل الموارد والمواقع والخبرات، وتحويل المزايا التي يمتلكها كل طرف إلى قِيمة اقتصاديَّة مشتركة.

إنَّ نجاح الزيارات السَّامية يقاس بما تؤسِّسه من مسارات دائمة بعد انتهاء مراسمها، من خلال متابعة التفاهمات، وتمكين مؤسَّسات القِطاع الخاص، وتحديد المشروعات ذات الأولويَّة، وبناء آليَّات واضحة للتنفيذ والتقييم. فالزيارة تفتح الباب، فيما تقع على المؤسَّسات الاقتصاديَّة والاستثماريَّة مسؤوليَّة العبور منه، وتحويل الثقة السياسيَّة إلى مصالح مستدامة. ويُؤكِّد الحراك السَّامي أن سلطنة عُمان تبني سياستها الخارجيَّة باعتبارها امتدادًا لمشروعها التنموي، وتوظِّف رصيدها من الثقة والاتزان في فتحِ آفاقٍ جديدة لاقتصادها؛ لِتصبحَ علاقاتها الدوليَّة شبكةً منتجةً للفرص، وداعمةً للاستقرار، وقادرةً على منح الوطن موقعًا أكثر حضورًا وتأثيرًا في خريطة عالميَّة يُعاد تشكيلها.