مَن يسعده حظُّه بزيارة الجبل الأخضر لا يشعر أنه يتنقل من مكان إلى آخر فحسب، بل كأنَّه يعبر من فصل إلى فصل في كِتاب عُماني قديم.. كِتاب كتبه الإنسان والحجر والماء والشجر معًا.. ففي أعالي محافظة الداخليَّة تبدو الجبال أكثر من تضاريس شامخة، وتتحول المدرجات الزراعيَّة إلى لوحات خضراء معلقة على السفوح، فيما تمضي الأفلاج في مساراتها القديمة حاملةً قصَّة أجيال عرفت كيف تصادق الطبيعة، وكيف تجعل من صعوبة الجبل مصدرًا للجمال والحياة.
ولعلَّ اختيار ولاية الجبل الأخضر عاصمةً للسياحة الخليجيَّة لعام (2027م) يأتي تتويجًا طبيعيًّا لمكانة ظلَّت تتشكل عبر السنين.. فالولاية، بما تمتلكه من مُقوِّمات طبيعيَّة وبيئيَّة وثقافيَّة وتراثيَّة، إلى جانب الفرص الاستثماريَّة الواعدة، يجعلها تجربةً سياحيَّة واقتصاديَّة متكاملةً.
إنَّ الجبل الأخضر يتميَّز بطبيعة استثنائيَّة، ومناخ مختلف عن كثير من مناطق سلطنة عُمان؛ فارتفاعه واعتدال مناخه، إلى جانب تضاريسه الجبليَّة، منحاه خصوصيَّة جعلته مقصدًا للباحثين عن الطبيعة والهدوء والمغامرة في آنٍ واحد.. لكن سِر الجبل لا يكمن في ارتفاعه وحده، وإنما في ذلك التناقض الجميل بين صرامة الصخور ورقة الحياة التي تنبت بينها.. فالسفوح التي تبدو للوهلة الأولى عصيَّة على الزراعة تحولت بفعل الإنسان إلى مدرَّجات تتعاقب عليها الأشجار والورود والفواكه، وكأنَّ الأجداد أرادوا أن يقولوا إن الأرض لا تمنح أسرارها إلَّا لمن يصبر عليها.. وتلك المدرَّجات الزراعيَّة ليست مجرَّد مشهد جميل يلتقطه السائح بعدسة هاتفه، ولكنَّها ذاكرة حيَّة لنظام زراعي وهندسي توارثته الأجيال.
أمَّا علاقة الإنسان بالماء في الجبل الأخضر فتتخذ معنًى خاصًّا.. فأفلاج وادي بني حبيب وسيق والعين وأبو كبير والشريجة وغيرها تُعَدُّ شاهدًا على قدرة الإنسان العُماني على التعامل مع البيئة القاسية وتحويلها إلى موطن للحياة.. وما أجمل أن يتأمل الزائر مجرى فلج صغير، وهو يعرف أن الماء الذي يسير أمامه ليس مجرَّد ماء، ولكنَّه امتداد لحكاية طويلة من العمل الجماعي؛ كون الأفلاج والمدرَّجات أكثر من مجرَّد أدوات للإنتاج.. فقد كانت نظامًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وجزءًا من الطريقة التي نظَّم بها المُجتمع حياته فوق الجبل.
وإذا كان للجبل الأخضر عطر، فلا بُدَّ أن يكونَ للورد نصيب كبير منه.. ففي موسم الورد تتحول المدرَّجات إلى لوحة من الألوان التي تتفتح على السفوح، وعبير يتسلل إلى البيوت، وطقس زراعي يتحول إلى ذاكرة جماعيَّة.. وقد ارتبط الورد الجبلي منذ زمن بصناعة ماء الورد، الذي يُمثِّل أحد المنتجات التقليديَّة المهمَّة لأهالي المنطقة.. ثم يأتي الرمان، الذي ربما ارتبط باسم الجبل الأخضر في ذاكرة الناس أكثر من غيره من المحاصيل.. فثماره ذات الجودة العالية ليست مجرَّد منتج زراعي، بل جزء من اقتصاد الأُسرة الزراعيَّة، وموسم ينتظره الأهالي والزوَّار.. ولا يتوقف تنوع الجبل الزراعي عند الرمان والورد؛ فهناك الجوز واللوز والمشمش والخوخ والبرقوق والتفاح والزيتون والتين الشوكي، فضلًا عن الحمضيَّات وغيرها من النباتات والمحاصيل التي وجدت في مناخ الجبل بيئةً مناسبةً للنُّمو.. وهنا تكمن إحدى أجمل قصص الجبل الأخضر: أن السائح لا يزور الطبيعة فقط، بل يستطيع أن يتذوقَها.
وللجبل الأخضر حكاية أخرى مكتوبة في الصخور.. قصَّة الأرض نفسها، وما مرَّ عليها من تحوُّلات جيولوجيَّة عبر ملايين السنين.. ومن هنا تأتي أهميَّة تنامي الاهتمام بالتراث الجيولوجي في الجبل الأخضر؛ فقد استضافت الولاية النسخة الخامسة من معرض التراث الجيولوجي العُماني «الاستدامة وفرص العمل» مؤخرًا، لِيفتحَ مشروع «حديقة الحجر الجيولوجيَّة» بابًا جديدًا أمام السياحة في عُمان.. وتصبح الرحلة إلى الجبل الأخضر أكثر من نزهة في الطبيعة.. فالزائر يستطيع أن يرى الجبل بعين السائح، وأن يقرأه بعين الباحث، وأن يكتشفَ في صخوره وأحجاره وأحفوراته صفحات من تاريخ الأرض.
وفي الجبل الأخضر لا تنفصل الطبيعة عن الإنسان.. فالقُرى القديمة والبيوت والمسارات الجبليَّة والبساتين ومواقع المياه كلُّها تُشكِّل نسيجًا واحدًا.. وتبرز قُرى مثل وادي بني حبيب وسيق والمناخر والسوجرة وغيرها باعتبارها أجزاءً من المشهد الثقافي للجبل؛ حيث تتداخل العمارة المحليَّة مع الزراعة والأفلاج والحياة اليوميَّة.. وهذه القُرى قادرة، إذا أُحسن تطويرها، على تقديم نوع مختلف من السياحة.. سياحة لا تكتفي بالإقامة في منشأة فندقيَّة، وإنما تجعل الزائر يعيش المكان؛ فيمشي في مساراته، ويتعرف على زراعته، ويستمع إلى حكايات أهله، ويتذوق منتجاته، ويكتشف الحِرف والموروثات التي صنعت خصوصيَّته.
وهنا تبدأ مسؤوليَّة المرحلة المقبلة.. فلقب عاصمة السياحة الخليجيَّة لعام (2027) ليس نهاية الطريق، بل بدايته.. وكما أكدت وزارة التراث والسياحة أنها ستتَّجه إلى تفعيل برنامج سياحي متكامل يمتدُّ طوال عام (2027)، يجمع بين الفعاليَّات والتجارب الموسميَّة والحملات الترويجيَّة، مع استهداف تطوير المنتجات السياحيَّة وتحفيز الاستثمارات ودعم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، فنتمنى أن تُحقق أهدافها المرجوَّة؛ لأنَّ التحدِّي الحقيقي هو: كيف يتحول الجبل الأخضر من وجهة جميلة إلى اقتصاد سياحي مستدام؟.. والإجابة تبدأ من الإنسان المحلِّي.. فالمزارع، وصاحب النُّزل، والحِرفي، وصاحب المطعم، ومنظِّم الرحلات، والشَّاب الذي يقدِّم تجربةً للمغامرات الجبليَّة، والمرأة التي تنتج ماء الورد أو المنتجات الزراعيَّة، جميعهم يجب أن يكونوا جزءًا من قصَّة السياحة الجديدة.
لا شك أن السائح الذي يقضي يومًا واحدًا في الجبل يترك أثرًا محدودًا.. أمَّا السائح الذي يجد عشرات التجارب التي تستحق الاكتشاف، فقد يمدِّد إقامته، وينفق أكثر، ويعود مرَّةً أخرى، ويصبح سفيرًا للمكان في بلده.. وهنا تتحول السياحة من مجرَّد أعداد للزوار إلى قِيمة اقتصاديَّة حقيقيَّة.
إنَّ الجبل الأخضر ليس منتجًا سياحيًّا يمكن استنساخه أو إعادة تشكيله كما نشاء؛ فقِيمته الحقيقيَّة في أصالته.. لذلك، فإن تطويره ينبغي أن يكونَ تطويرًا يحترم المكان، لا يطمس ملامحه، وأن يكونَ الاستثمار فيه شريكًا في حماية الهويَّة، لا سببًا في فقدانها.. فما يجعل الجبل الأخضر مختلفًا ليس الفندق وحده، ولا الطريق، ولا الفعاليَّة.. وإنما ذلك المزيج النادر من الطبيعة والإنسان والزراعة والتراث.
إنَّ اختيار الجبل الأخضر عاصمةً للسياحة الخليجيَّة لعام (2027) هو اعتراف بمكانة استثنائيَّة، لكنَّه في الوقت نفسه امتحان لقدرة المكان وأهله وشركائه على تحويل هذا الاعتراف إلى مستقبل.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني