يُلقي ارتفاعُ معدَّلات الاضطرابات النفسيَّة والقلق حول الحياة والمستقبل لدى أبناء المُجتمع، وتزايدُ حجم التراكمات النفسيَّة والفكريَّة والتحدِّيات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وارتفاعُ أعداد الباحثين عن عمل والمُسرَّحين من القِطاع الخاص وقِطاعات التشغيل والتوظيف، على التعليم مسؤوليَّاتٍ متعاظمةً في بناء اقتصاد المُجتمعات وبناء المواطن اقتصاديًّا، وتعزيز إنتاج مبادرات المُجتمع الاقتصاديَّة كأحد الحلول في مواجهة تداعيات الحالة الاقتصاديَّة على حياة المواطن المعيشيَّة، بما يضمن تنشيط حركة المُجتمع الاقتصاديَّة، وبناء ثقافة اقتصاد وطني يجسِّد الهُوِيَّة الوطنيَّة، ويؤسِّس لمرحلة متقدمة من الاستثمار في الرأسمال البشري الاجتماعي وتوجيهه نحو إنتاج الحلول وصناعة البدائل؛ لمواجهة التحدِّيات والظروف الاقتصاديَّة وتداعياتها على حياة المواطن من جهة، والتثمير في الموارد الذاتيَّة بالشكل الذي يصنع للمخرجات حضورها في عناصر الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذَّاتي في الموارد.
وبالتَّالي، ما يوفِّره التعليم من فرص إنتاج سلوك اجتماعي جديد يستوعب الواقع الاقتصادي ويتفاعل معه، ويوقد شعلة الحماس ووهج العطاء وفرص المبادرة لدى أبنائه من خلال ترقية مهاراتهم، وصقل خبراتهم، وتجديد دوافعهم، وإدارة مواهبهم، وتقوية روح المسؤوليَّة لديهم، وشغف البحث، وحُب التجريب والمخاطرة والاكتشاف؛ فيؤصِّل فيهم نهج المبادرة الجادَّة، وحسَّ المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، وثقافة العمل التطوُّعي؛ لضمانِ إدارة كفؤة للواقع، وإنتاج الحلول وصناعة البدائل للوقوف على التحدِّيات التي تواجهه في مختلف المجالات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بأُسلوب رصين وفكر متَّقد، مستفيدًا من فرص الدعم المتاحة وخطَّة التحفيز الاقتصادي في إنتاج المبادرات الاقتصاديَّة للمواطن والتسويق لها، واستقطاب الخبرات والكفاءات الوطنيَّة، وتأسيس قاعدة اقتصاديَّة عريضة تُعزِّز من تنشيط حركة الاقتصاد ودور المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، وتعظيم إنتاجيَّة المُدن الصناعيَّة وتوطين الصناعة.
وعليه، تصبح هذه الموجِّهات ـ إن عمل عليها التعليم بمهنيَّة، ووجَّه أولويَّاته وأهدافه وغاياته وممارساته إلى تحقيقها، واستطاع أن يسوِّق لهذه المبادرات والفرص، ويُحسن توجيهها، ويستقطب آليَّات الدَّعم والمسانَدة لها، وتنشيط حضورها في فلسفته وأدواته ومناهجه وبرامجه وخططه واستراتيجيَّاته ـ محطَّاتٍ لإنتاج قوَّة مُجتمعيَّة تحمل في ذاتها مسؤوليَّة بناء اقتصاد وطني كفء، بما يحقِّقه من فرص ونجاحات، ويبنيه من آمال وطموحات تجسِّد أولويَّات الدولة وتحقيق رؤيتها «عُمان 2040»، الذي يضمن قدرة المُجتمع على التعايش مع هذه الأحداث والتفاعل مع المعطيات بثقة وطمأنينة ويقين صادق بامتلاكه روح التغيير وقدرته على إعادة هندسة حياته اليوميَّة؛ لِتتناغمَ مع ظروف الواقع من غير إفراط أو تفريط.
لذلك، كانت قدرة التعليم في إنتاج مبادرات المُجتمع الاقتصاديَّة مرهونةً بحجم ما يكسبه من مهارات تتناغم مع الواقع، وتكتسب حيويَّتها وأولويَّتها من الظروف المحيطة، فيصنع العامل الكفء الماهر، وصاحب المشروع الحذق، والمفكر والمبادر الجادّ، والمتخصص والمهني وصاحب الموهبة، وهو مسؤول عن إعادة هندسة هذه الشخصيَّات وبناء قدراتها وتأسيس مهاراتها في سبيل إنتاج مشروع حضاري يعتمد عليه المواطن في مستقبل أيَّامه. لذلك، تجده ينظِّم وقته، ويبذل قصارى جهده من أجل تحقيق إنجاز يفخر به، ويوفِّر له سُبل الحياة والعيش، ويعمل على إدارة هذه المبادرات وحُسن توجيهها وتقنينها وضبطها وترقيتها وإعادة إنتاجها بطريقة أكثر استدامةً وابتكاريَّة تظهر في قدرتها على تحقيق المنافسة، وكلَّما استطاع التعليم فتح الآفاق العريضة لمخرجاته وإحداث تمازج بين الخبرة والتجربة، وترقية مساحات الأمان النفسي لديهم والثقة بكفاءة ما يقدِّمونه من إنجاز ويحتفلون به من عطاء، كان ذلك منطلقًا لهم للمزيد من الابتكاريَّة والتجديد والإنتاجيَّة.
من هنا، فإن على التعليم إدارة هذه المعطيات، فيرتِّب أوضاعه، ويصحِّح أدواته، ويقف على أولويَّاته، ويجدِّد العزيمة والإرادة في مخرجاته، بقَبول التغيير، وإثبات بصمة حضور لهم فيه، وعبر توفير فرص التجريب والاكتشاف والبحث والتشخيص والتحليل على مستوى الجامعات والكليَّات والأكاديميَّات والمدارس ومراكز البحوث العلميَّة المتخصِّصة المنتشرة في الجامعات بالمحافظات، ونزولها للميدان واكتشافها الحلول للمُشْكلات والتحدِّيات النفسيَّة والصحيَّة التي تواجه المُجتمع، والتحدِّيات المرتبطة بالواقع الاجتماعي، وحفز الشَّباب وتمكينهم من إتقان تحديد مشروع المستقبل وامتلاك مهارات الاحترافيَّة في إدارته، والانطلاقة الجادَّة إلى اكتشاف الموارد الاقتصاديَّة والسياحيَّة والطبيعيَّة والبيئيَّة المتاحة والتثمير فيها.
ويبقى خيار التعليم في دعم المُجتمع اقتصاديًّا مرهونًا بقدرته على إنتاج مواطن المرحلة، بما يحمله من أبجديَّات الاقتصاد ومفاهيمه، وأدوات بناء المشروع وإدارته، وتأطير السلوك الاستهلاكي والثقافة الشرائيَّة، وحُسن إدارة موارده الذاتيَّة وخبراته، والتسويق لمهاراته وترقية سلوك الإدخال لديه، وتصحيح المفاهيم التي ما زال يبثُّها حول مستقبل الأجيال، والشهادة العلميَّة والمراحل الدراسيَّة والأفكار التقليديَّة التي يبنيها في المتعلم حول مفهوم التفوق الدراسي وآليَّة اختيار الطالب المُجيد، ويعمل على هندسة الأفكار والعمليَّات التعليميَّة وثقافة التعليم والتعلم داخل صفوف المدارس وقاعات الجامعات ومختبرات مراكز البحوث بالشكل الذي يضمن إنتاج مواطن قادر على امتلاك القوَّة المهاريَّة والفكريَّة، ويُعزِّز من التفاعلات الداخليَّة والدَّافع الذَّاتي والحماس وشغف العطاء والإرادة والعزيمة في مخرجاته، وصناعة البدائل التي تتيح له فرص التجريب والبحث والانتقاء والاختيار؛ لإنتاج مبادرات اقتصاديَّة مُتجدِّدة تُلبِّي طموحاته وتعكس شغفه، وتتكيَّف مع احتياجات المُجتمع، وتُسهم في التقليل من ردَّات الفعل حول واقعه المعيشي.
وبالتَّالي، جملة المدخلات الاقتصاديَّة التي ينبغي على التعليم أن يعملَ على تحقيقها، والتوجُّهات التي يسعى إليها، ومستوى اقتراب الممارسة التعليميَّة من تحقيق الغايات الاقتصاديَّة للتعليم، بحيث يأخذ في الحسبان الوقت الذي يُمنح للمسار المهني والتقني والفنِّي في حياة الطالب، ومستوى توافر الأنشطة الاقتصاديَّة وعمليَّاتها في بيئة المدرسة، وجوانب الاحتواء والتأثير والحوافز المقدَّمة للطالب في سبيل تعزيز ثقافته الاقتصاديَّة، والمساقات الدراسيَّة المطروحة في مؤسَّسات التعليم لذوي التخصُّص أو كمساقات عامَّة مشتركة والبُعد الاقتصادي الذي تحمله، ومستوى وضوح مهمَّة التعليم في تعزيز الثقافة المهنيَّة وبناء مُجتمع اقتصادي قادر على امتلاك المفاهيم الاقتصاديَّة والتسويق لها وتعزيز حضورها في ثقافة الخريج اليوميَّة، وتعزيز الأُطر والتشريعات التي تُعزِّز من حضور البُعد الاقتصادي عبر بناء المواطن ـ فعليًّا ـ اقتصاديًّا.
ومع أن المُشْكلة ـ في تقديرنا الشخصي ـ ليست في المخرجات بقدر ما تتعلق بطبيعة المحتوى العلمي والمهني والتقني الموجّه لها، وعمليَّات الإعداد والتأهيل واقترابها من الواقع، والوزن النسبي لتعريض هذه الخبرات لواقع المهنة وتجريبها في ميدان العمل وصقلها بالخبرات والمهارات الاقتصاديَّة التي تبني فيهم قِيَم الاقتصاد، وتصنع منها كفاءات قادرةً على الإنتاجيَّة وامتلاك أدوات الإنتاج وقِيَمه، فإن المستجدات والتحوُّلات الحاصلة في الاقتصاد الرَّقمي واقتصاد المعرفة ومعطيات الثورة الصناعيَّة الرابعة، والتحوُّل الحاصل في قِطاع التشغيل وبيئات الأعمال والذَّكاء الاصطناعي والإنسان الآلي وإنترنت الأشياء، وغيرها كثير، في ظل عالميَّة المهارة والخبرة، يستدعي أن يمارسَ التعليم دوره الاقتصادي بالتوازي مع دوره في بناء المواطنة وصناعة الهُوِيَّة وتجديد البناء الفكري للأجيال وترقية القِيَم والأخلاق؛ لِتُشكِّلَ الممارسة الاقتصاديَّة ترجمةً فعليَّة ونموذجًا عمليًّا لكل الفرص التي أُتيحت للمتعلم في بيئة الصف وقاعات التدريس والمختبر وبيئة تنفيذ النشاط.
أخيرًا، فإن قدرة التعليم على تأسيس المواطن اقتصاديًّا يجب أن تُشكِّلَ مسارًا واضحًا في الخطَّة الدراسيَّة التنفيذيَّة، يقوم على توفير المناهج وتعزيز مفاهيم التطبيقات الاقتصاديَّة وريادة الأعمال وإدارة المشاريع الاحترافيَّة والشركات الطلابيَّة والشركات الناشئة في مسارات التدريس بشكلٍ أكثر احترافيَّة ممَّا هي عليه الآن، وتأكيد أهميَّة التنويع في المسارات التعليميَّة باعتبارها المنطلق الأساس لرسم خريطة الاقتصاد في بيئة التعليم، عبر تبنِّي سياسات استثماريَّة وإنتاجيَّة تنطلق من بيئة المدرسة والجامعة ومراكز البحث ومختبرات العلوم والتقنيَّة والابتكار والاقتصاد، وإيجاد مساقات تدريسيَّة وتدريبيَّة داخل بيئة التعلُّم وخارجها عبر التدريب المهني للمتعلمين في الشركات والمؤسَّسات الاقتصاديَّة؛ إذ من شأن ذلك أن يوفِّرَ الضمانات الدَّاعمة للتعليم في تأطير المسار الاقتصادي، وبناء نماذج تطبيقيَّة له بالمدارس والكليَّات والجامعات؛ لِتُشكِّلَ بِدَوْرها مدخلًا في إعادة المسار القادم للتعليم وتصحيح الانحرافات الحاصلة في توجُّهاته الاقتصاديَّة والوزن الذي يمنحه للاقتصاد في مناهجه، ومستوى توافر العمليَّات الاقتصاديَّة في بيئة التعليم وخارجه، ثم تحصين الخريج بالممكنات والقدرات والمعارف والمهارات العمليَّة الناعمة والعمليَّات الرئيسة التي يحتاجها في مواجهة المتغيِّرات الحاصلة في الشَّأن الاقتصادي والظروف التي أوجدتها الأحداث التصعيديَّة المتسارعة التي تعيشها المنطقة، والتي بات لها تداعياتها الاقتصاديَّة والمعيشيَّة وارتفاع الأسعار وزيادة التضخم، ثم التغيُّرات التي فرضَتْها خوارزميَّات الذَّكاء الاصطناعي بشأن الوظائف واستدامتها.
د.رجب بن علي العويسي