الاثنين 14 سبتمبر 2026 م - 2 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

استقلالية المواقف السياسية العُمانية

استقلالية المواقف السياسية العُمانية
الاثنين - 14 سبتمبر 2026 02:55 م

خميس بن عبيد القطيطي

10

العمل الدبلوماسي العُماني الوازن لم يتوقف طوال الفترة الماضية في ظل استمرار الأزمة والتوتُّرات في الخليج، وذلك رغم تزايد الضغوط السياسيَّة على سلطنة عُمان بين الفينة والأخرى، ما يُؤكِّد على ثوابت السياسة العُمانيَّة واستقلاليَّة موقفها، والتأكيد على نهجها الدبلوماسي الرَّصين الذي عُرفت به منذ عقود، من خلال خِطابها الهادئ والمحايد والمتَّزن، الذي ينظر بِعَيْنِ المسؤوليَّة لِمَا يحدُث في الإقليم دون محاباة لطرف على حساب آخر، بل مواصلة العمل الإيجابي فيما يخدم السَّلام العالمي، ويخدم الدول والشعوب، وبذل المزيد من الجهود في سبيل حل القضايا التي تعصف بالمنطقة.

التطوُّرات الأخيرة أكَّدت أن الرؤية العُمانيَّة كانت شاملةً ومستقلَّةً وثابتةً؛ فقدِ استمرَّت سلطنة عُمان في مسارها التفاوضي مع طهران بشأن ترتيبات الملاحة، باعتبار أن العالم كلَّه يتضرر من إغلاق المضيق؛ لذا لم تتوقف تلك المساعي العُمانيَّة بالتنسيق مع جمهوريَّة إيران الإسلاميَّة، كدولة مشاطئة، لإيجاد صيغة وآليَّات ممكنة للعبور الآمن، وهو في الواقع يُعزِّز مساعي السَّلام والاستقرار في الإقليم والعالم، مع محاولة سَبر أيِّ مساحة يمكن من خلالها الوصول إلى حلٍّ شامل للأزمة. ولا شك أن التفاهم العُماني ـ الإيراني مهَّد الطريق لترتيبات مستقبليَّة لإعادة فتح المضيق عبر مسار وسطي جديد يتماس مع المياه الإقليميَّة للبلدين. ولم تكتفِ سلطنة عُمان بالتنسيق مع جمهوريَّة إيران الإسلاميَّة، بل قدَّمت رؤيتها بمشاورة دول الخليج المشاطئة؛ وكان من المزمع عقد اجتماع في صلالة يجمع وزراء خارجية دول الخليج وإيران تأكيدًا على تلك الرؤية العُمانيَّة الصَّادقة التي تُقدِّم إضاءات مشرِقةً في عموم المنطقة، وردًّا ـ في الوقت ذاته ـ على الأصوات المُشكِّكة في هذه الجهود العُمانيَّة المشرِّفة.

التصريحات والرسائل السياسيَّة العُمانيَّة التي قدَّمها معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة، على الرغم من الإشارات السلبيَّة التي سبقتها، ورغم محاولات الضغط، تعكس تمسُّك سلطنة عُمان بثوابتها السياسيَّة ورسالتها الدوليَّة؛ فكان الخِطاب العُماني طوال فترة الأزمة ـ وما زال ـ يقدِّم نموذجًا سياسيًّا فريدًا؛ فهو لم يُضعِ الوقت في البيانات الإعلاميَّة المستهلكة، بل الاستمرار في العمل الدبلوماسي الدؤوب من أجلِ خدمة الأمن والاستقرار في الإقليم والعالم. فلم تتراجع سلطنة عُمان عن مواقفها، واستمرَّ التفاوض مع طهران، والذي لم يكُن في معزل عن الأشقاء في دول الخليج، بل بالتواصل معهم والتأكيد على حقوق الدول الخليجيَّة المشاطئة، وكذلك التأكيد على الالتزام بالقانون الدولي، وهو ما جعل العواصم العالميَّة تنظر بِعَيْنِ الاحترام والثقة نحو المواقف العُمانيَّة التي اتَّسمت بالمصداقيَّة والاستقلال الوطني والسَّعي نحو السَّلام بروح المسؤوليَّة التي تفرضها الجغرافيا، ويصقلها التاريخ والحضارة.

إنَّ سلطنة عُمان لا تتعامل مع الضغط السياسي واحتدام المواقف بمنطق التحدِّي وإثبات الذَّات، بل السَّعي الجادّ وفق ما تُمليه المسؤوليَّة والحاجة الدوليَّة إلى العقل والحوار الجادِّ وبذل الجهود لخفض التصعيد؛ لذا فقد واصلت مسقط مساعيها الإيجابيَّة في سبيل خدمة أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، وهذا ـ بلا شك ـ يتَّسق مع طبيعة الدبلوماسيَّة العُمانيَّة المعروفة بالهدوء، ووضوح الرؤية والهدف، والاستقلال الوطني والحياد الإيجابي، مع استخدام الوسائل الممكنة لتفعيل لُغة الحوار. فجاءت الجهود العُمانيَّة لصياغة ترتيبات تحفظ مصالح جميع الأطراف وأمن دول الخليج، بما يُؤكِّد دائمًا على أهميَّة الدَّور العُماني في وسط هذا الإقليم الملتهب.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]