الاثنين 14 سبتمبر 2026 م - 2 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : صناعة الوعي فـي زمن السلبية وفقدان الأمل

في العمق : صناعة الوعي فـي زمن السلبية وفقدان الأمل
الاثنين - 14 سبتمبر 2026 02:53 م

د.رجب بن علي العويسي

10

رغم ما يعيشه العالم اليوم من فرص متنوعة لتحقيق التآلف والتكامل والتعاون والتضامن بين شعوبه، ومع التطوُّر التقني والمعرفي والفضاءات المفتوحة التي يفترض أن تصنع الفارق، وتُعزِّز التكامل، وتمدَّ جسور التواصل والحوار، إلَّا أن عمليَّة استثمارها لم تكُن بتلك الصورة المأمولة لتعزيز الاستقرار والوئام والتعايش والسَّلام الإنساني في عالم مضطرب يعيش وطأة التحزبات السياسيَّة والفكريَّة المندفعة، وأيديولوجيَّات التشاؤم، ويصحو على الحروب وافتعال الأزمات التي حوَّلته إلى غابة من الانتماءات المتوحشة التي تفتقر إلى نمط التعايش والتناغم المشترك، فأوجدت العديد من الأفكار الهشَّة، والممارسات المزدوجة، والظواهر الصوتيَّة غير المنضبطة، والقرارات المغتصبة، والمفاهيم المغلوطة، الدَّاعية إلى سلبيَّة الفكر، ونمطيَّة التفكير، ونُمو سلوك التكفير والتضليل والتعصب للرأي، وغسل عقول الشَّباب بأوهام وخيالات وأفكار معقَّدة، وشعارات مضلِّلة، وأهداف شخصيَّة مغرِضة، وتصوير الدِّين لهم في صوَر هشَّة أقرب ما تكون إلى مُتع زائلة، وخيالات وأوهام وأضغاث أحلام، في تغييب للوعي، وتسطيح للمشتركات، وتجويف للقِيَم والأخلاقيَّات، وتنميط للثوابت والمبادئ، فرسَّخت في فكر الشَّباب أنَّ السَّاكت عن الحقِّ شيطان أخرس، حتى وإن ضاعت بسبب حُمقه أُمم، واندثرت حضارات، وتدهورت حياة البشر، وتغربت القِيَم، ومُحيت آثار الشعوب وهُوِيَّة الحضارات، وانتُقصت من قِيمة الحياة، فقُتل الأبرياء والأطفال، فأصبح التقوُّل جائزًا، والإشاعة متداولة، والسَّبُّ والشَّتْم في حقِّ الأوطان عادةً، بحجَّة وجود فاسد، رغم أن الجميع يمارس الفساد بقصد أو دون قصد.

لقد امتدَّ الأمر إلى حياة الناس اليوميَّة، فضاعت، بسبب ظروف العيش وتعقُّد متطلبات الحياة، واتِّساع السلبيَّة والتشاؤميَّة والانهزاميَّة وفقدان الأمل والخوف من المستقبل، مساحات الأمان، وزادت الفجوة، واتَّسعت دائرة عدم الثقة، ونفقتِ القِيَم والمبادئ، وانتصرت الضغينة والأحقاد، وزُرعت الكراهية، وزُعزعت الثقة بين الشعوب وحكوماتها وقياداتها. واتَّسع ذلك في ظلِّ اتِّساع دَوْر التقنيَّة والمنصَّات الرَّقميَّة والفضاءات المفتوحة، التي يفترض أنها جاءت لخدمة الإنسان، وتوفير الوقت والجهد والمال له في إنجاز معاملاته والوصول إلى الخدمات بجودة عالية ووقت أقلّ؛ فوُجِّهت أيدي البشر وعقولهم لِتنـالَ من بعضهم بعضًا، وسُخّرت منصَّات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال والتواصل الرَّقميَّة الأخرى للنَّيْل من الإنسان وتحجيم إنجازات الأوطان، حتى أصبحت تمارس دورها في إثارة نوازع الذَّات، وإدخال طابع التهكُّم والسخريَّة، وتضييع الوقت في القيل والقال، وإضاعة الجهد والمال. حتى أصبح كل شيء لا قِيمة له في نظر البعض ممَّن غسلت التقنيَّة عقولهم، وأضاعت الأفكار والظواهر الفكريَّة مواقعهم ومواقفهم، وإن لامس الحقُّ صداه، أو توافق مع الصِّدق مغزاه؛ ولأنَّه لا يتناغم مع المزاج الشخصي المعكَّر بالأحقاد والكراهيات، ولا يرقى إلى صِدق الذَّات المسلوبة بداء السلبيَّة وضعف الإرادة وغياب الثقة والقدرة على التعامل مع الصَّدمات، فقد وجدت في ذلك فرصتها للنُّمو والاتِّساع بين الناس. وكأنَّ البشريَّة تريد حياة السَّماء قَبل موعدها المُحدَّد لها، تلك التي لا ضجر فيها ولا لُغو ولا تأثيمًا. إنَّها داء يفتك بالإنسان، وكلمة السُّوء السَّاحقة لحسِّ الذَّوق ومهنيَّة الكلمة وضمير المسؤوليَّة، فتجترُّ من مُقوِّمات حياة البشر جمالهم وسعادتهم وراحتهم واستقرارهم وأمنهم وأمانهم، وتسلبهم قِيمة العيش الصَّادق مع الذَّات والتعايش مع الآخر، أو تمنحهم فرص البحث عن التجديد، أو محاولة قراءة الحياة بوجْهٍ جديد، حتى وصلت النفوس إلى مرحلة الهذيان الفكري، والتذبذب المعرفي، والتخاذل العقلي، والخواء العاطفي، والخلط في المفاهيم، والتضارب في القِيَم والأخلاق. وكأنَّ كل شيء باتَ يحمل وجْه الظلام في بؤسه؛ فقد ضيَّقوا على أنفسهم وحياتهم، وألبسوها ضعف العاجز عن إنقاذ نفسه، أو وهن الخامل المعتمد كليًّا على غيره.

لقد اجترَّتِ السلبيَّة وفقدان الأمل بالتغيير، في ظل ما يعيشه العالم من انتكاسة القِيَم والسقوط الأخلاقي في استهتاره بحياة الإنسان وحقوق الأوطان والمُجتمعات، مُقوِّمات حياة البشر اجترارًا غوغائيًّا، وأحاطت الطفولة بكومة من التراكمات والخلافات والتصدُّعات التي أسدلتِ الستار أمامهم على مفهوم الخيريَّة والسَّلام، غير قادرين على فعل أيِّ شيء يضمن لحياتهم السعادة، أو يبني فيهم الأمل بغدٍ مشرِق، حتى بدَتْ لهم الحياة في ثوب السواد الحالك. لقد أوهمنا أنفسنا وأقنعناها، في غباء ذاتنا، أن كل شيء مسلَّط علينا وموَجَّه ضدَّنا؛ فالهواء والماء والغذاء والمنتجات الاستهلاكيَّة باتتِ اليوم أمام سَيْل من الفتاوى التي ليُظن أننا أردنا بها الحقَّ وترك الريبة، وهي ـ لعمري ـ فضفضة النفْس عندما تبتعد عن الهدف، أو تختار لنفْسها الشَّقاء، وتضيِّق عن نفْسها فُرَج الحياة، حتى ضاقت دائرة المباحات، وقلَّت عددًا ونوعًا، وأصبح البعض يشكِّك في نفْسه وقِيمة حياته وأهميَّة وجودها ومُكوِّنات الكون ونواميس الحياة، غير مبالٍ بمسؤوليَّته نحوها أو النَّأي بها عن مسالك الزَّلل وعواقب الشطط. وفي المقابل، اتَّسعت دائرة المحرَّمات بسبب طيش تفكيرنا، وضعف تدبيرنا، وقسوة نفوسنا، وضيق صبرنا، وبحثنا في تفاهات الأشياء، وتركيزنا على الثغرات، ونسياننا لوجْهِ الحياة المشرِق في ممارساتنا الشخصيَّة أو عمل مؤسَّساتنا. فما زالت السلبيَّة المَقيتة، والأفكار الهشَّة، والقناعات الهزيلة، وسرعة الأحكام التي بنينا حياتنا عليها، هي المحرِّك لأهداف الناس وغاياتها في أغلب الأحوال. فبدلًا من أن يعيشَ العالم حياة التفاعل بين أقطاره، ويقوِّيَ شبكات التواصل بين أبنائه، ويُعزِّزَ الشراكات بين الشعوب والحكومات، كانت النتيجة أن ضاق الناس بأنفسهم ذرعًا، حتى رسمتْ للإنسان وجهًا موحشًا مخيفًا، يهدِّد كيانه، ويضيِّع ثروات الأوطان، ويسيء إلى حقوق الإنسان، بل ويظلم الإنسان به نفسه، عندما يمنعها عن التفكير والتأمل، والبحث عن البدائل، والتوسُّع في المعالجات، أو مشاركة الآخر رأيه، والثقة في بناء مسارات الإنجاز القادمة. فترسَّخت في نفوس الأجيال ثقافة السلبيَّة والتواكل والاستمتاع بدون شعور، فَهُم غير أهل لتحقيق الإنجاز، وأن التقنيَّة والعولمة غيَّرتا وجْه الحياة المشرِق لتضعاه في كومة من الرَّماد المتناثر، فضيَّعت سلوكهم حتى أصبحوا أجيالًا غير مبالية، ولا تمتلك حسَّ المسؤوليَّة والالتزام، وأن عالمًا ستديره الأجيال القادمة سوف يتخلى عن إنسانيَّته وقِيَمه ومبادئه ونجاحاته وهُوِيَّته.

لم تكُن حالة الانهزاميَّة والتشاؤميَّة والأوهام التي ارتبطت بسلوك إنسان اليوم وقناعاته، في ظلِّ اتِّساع الظروف والمؤثِّرات وغياب أساليب الاحتواء، إلَّا مرحلة تواطؤ الإنسان لسلب حقوق غيره، ودعوةً للتخلِّي عن مبادئه، والثَّبات في قراءة الحياة بواقع الأمس فقط، مغلقةً نوافذ الأمل، جامدةً في قَبول الرأي. فأنتجت جيلًا جديدًا تسبَّبنا في اختلاق الذرائع له، كقسوة القِيَم، وهشاشة الأخلاق، وانعدام الحوار، وركاكة الثبات على المبدأ. نزعنا منهم الثقة، وأوهمناهم بأنَّهم غير قادرين على العطاء، ولا يمتلكون إرادة التغيير أو إصلاح الذَّات؛ فكانت بذلك صناعةً بشريَّة خاسرةً، تعدَّت مسار الإنسانيَّة الصَّادقة الواعية، واتَّجهت إلى سلوك البهيميَّة العجماء، إن صحَّتِ المقارنة، في ظلمِه وضلاله، واحتقاره وسخطه، وغضبه ونكرانه، وهيجانه وطيشه، وجبروته وسُلطته، حتى انتزع من حياته سِمة الوقار والحُب والانتماء والاحتياج والمشاركة والمَدنيَّة، واتَّجه إلى عالمه الشخصي المتجاوز لحدود الإنسانيَّة في التصرف، فارتكب حماقاته في الناس، وهلك وأهلك. فكانت ثقافة الكراهية والحقد والسَّآمة، وحالات الإحباط والتشاؤم والانهزاميَّة، والنفايات الفكريَّة، والقناعات البائسة، والثقافات اليائسة من الحياة، وحالات السّخط والوهن والتواكل، نتاجًا لهذه الترسُّبات والتراكمات التي أنبتت ـ في المقابل ـ بيئات موحشة لا تؤمن بالآخر ولا تعترف بحقوقه.

من هنا، فإن الإنسانيَّة بحاجة اليوم إلى سراج الوعي، ينير لها الطريق، ويفتح لها نوافذ الأمل، ويُعِيد نمط قراءتها لواقعها، ورسم خريطة إنقاذ لها، تعتمد على ترقية المشتركات وتعظيم المؤتلفات، وترقية فرص الاحتواء الكثيرة التي وجدت في حياة الإنسان، عبر تجديد الخِطاب الدِّيني والسياسي والمؤسَّسي والأُسري وتغيير نمطه، وإعادة صياغة الممارسات المُجتمعيَّة والمؤسَّسيَّة وفق منظومة القِيَم والأخلاق والمعايير والخصوصيَّة، والوقوف عند مسبِّبات الفعل السلبي، وتعميق مفهوم المُجتمع المَدني المشارك والمتناغم مع طبيعة الإنسان واحتياجه للآخر ومراعاة ظروفه، وبناء مسارات أكبر للثقة والحوار والتواصل والعلاقات الإنسانيَّة، القائمة على وحدة المبدأ وأخوة المنهج ومشترك المرجع، وإشعار الإنسان بالقِيمة الإيجابيَّة المضافة المختزنة لديه، وتعزيز فرص الاستمتاع بمواهبه وقدراته واهتماماته واستعداداته وابتكاراته، وتعميق شعور الإنسانيَّة لديه عبر مشاركة العالم أفكاره واهتماماته وأولويَّاته، وإبراز روح الوئام الإنساني والمشترك الذي يجمع البشر وفرص التمايز بينهم، ووحدة العالم في إدارة مشروعه الحضاري التنموي؛ لِيسعَ الإنسانيَّة نجاحه ونتاجه، فتَسُوده المَحبَّة والسَّلام والوئام، ولِيجدَ إنسانه في اغتنام فرص الاحتواء المتَّسعة سبيله لقراءة الحياة في ثوبها المُتجدِّد وروحها العطرة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]