الاثنين 14 سبتمبر 2026 م - 2 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

وزنك.. وصحتك فاختر !

وزنك.. وصحتك فاختر !
الاثنين - 14 سبتمبر 2026 02:51 م

د. يوسف بن علي الملَّا

10

في بعض الحالات يجلس أمامنا مريض يحمل فوق جسده أكثر مما تستطيع أعضاؤه تحمله بهدوء. حتى أنه لا يشتكي دائما من أي عرض ، وربما لا يدرك حجم ما يجري داخليا بجسمه لكن الأرقام والفحوصات تروي قصة مختلفة عن الشعور الظاهري بالعافية.

وهذا يؤكد ما نشرته منظمة الصحة العالمية من أن ستمائة وخمسون مليون شخص حول العالم يعانون من السمنة، وهوحقيقة رقم تضاعف عدة مرات خلال العقود الأخيرة نتيجة تغير أنماط الغذاء ونمط الحياة الأقل حركة -ان صح القول !-. لكن الأهم من الرقم نفسه هو أن نعي بأن السمنة لم تعد تصنف طبيا كمجرد مظهر بل باتت تعرف كمرض مزمن خصوصا وأنه أضحى في أيامنا هذه بعدد واسع من الأمراض.

وهنا ما يلفت الانتباه في الأبحاث الحديثة أن الجسم ليس مجرد كتلة ساكنة تخزن الطاقة الزائدة، خصوصا تلك المتراكمة حول الأعضاء الداخلية في منطقة البطن، والتي تتصرف -وللأسف - و كأنها عضو نشط يفرز مواد التهابية باستمرار. هذا الالتهاب المزمن منخفض الدرجة هو ما يربط بين زيادة الوزن ومجموعة كبيرة من الاضطرابات الأيضية.

من ناحية أخرى ، يجب أن ندرك أن الخطر الفردي للإصابة بأمراض القلب والسكري لا يمكن تفسيره فقط بكمية الدهون الزائدة، بل بخلل في وظيفة الأنسجة الدهنية نفسها، وهو ما يجعل بعض الأشخاص ذوي الوزن الزائد أكثر عرضة من غيرهم رغم تشابه مؤشر كتلة الجسم بينهم. ولعليّ هنا أكد على هذه النقطة لأنها تنقل النقاش الطبي من الرقم على الميزان إلى فهم أعمق لكيفية توزع الدهون وسلوكها داخل الجسم. خصوصا وأن الدراسات الطبية الحديثة توثق ارتباط السمنة بعدد كبير من الحالات المرضية، من بينها ارتفاع ضغط الدم، السكري من النوع الثاني، وأمراض الشريان التاجي وفشل القلب، السكتة الدماغية،وربماً توقف التنفس الانسدادي أثناء النوم، وبعض أنواع السرطان.

والقلق الذي أراه أن يدرك في مجتمعنا أن الوزن الزائد لا يقتصر على البالغين. فالدراسات التي تتبعت أطفالا ومراهقين يعانون من زيادة الوزن وجدت أن المخاطر تبدأ مبكرا من ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون في الدم، ومقدمات مرض السكري وهي قد تظهر جميعها قبل سن البلوغ. وهذا يعني أن التأثير الصحي للسمنة ليس مسألة تراكمية بطيئة تظهر فقط في منتصف العمر بل قد تزرع بذورها في مرحلة الطفولة، لتحمل معها المريض عبئا صحيا يرافقه لعقود.

في جميع الأحوال، الرسالة التي نخرج بها من كل تلك الأبحاث ليست رسالة تخويف، بل رسالة وعي. الوزن الزائد ليس طبعا قدرا محتوما ولا مجرد مسألة إرادة شخصية بسيطة، بل نتيجة تفاعل معقد بين عوامل غذائية بل وهرمونية. وهذا بالضبط ما يجعل التعامل معه يحتاج إلى نهج طبي متكامل، لا إلى حلول سريعة أو أحكام مسبقة.

ختاما ، اجزم هنا بأن المتابعة الدورية مع الطبيب، وتقييم المخاطر الفردية بدل الاكتفاء بالرقم على الميزان تبقى حقيقة الخطوة الأولى الأكثر أهمية لأي شخص يشعر أن وزنه بدأ يتحول من مجرد رقم إلى عبء حقيقي على صحته.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]