الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 م - 3 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

«البريكس» وتحديات التمويل ومواجهة الهيمنة الغربية

«البريكس» وتحديات التمويل ومواجهة الهيمنة الغربية
الاثنين - 14 سبتمبر 2026 02:50 م

محمد عبد الصادق

10

انطلقت يوم السبت الماضي في نيودلهي أعمال قمَّة «البريكس» الثامنة عشرة، وسط أجواء سياسيَّة واقتصاديَّة عالميَّة مضطربة؛ جرَّاء استمرار الصراع في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة الذي أدَّى إلى موجة تضخميَّة طالت معظم دول العالم، بينما يدخل التكتُّل المتعدِّد الأطراف مرحلة جديدة من مساره، تحاول مواكبة وزنه الاقتصادي؛ حيث تسعى دول الجنوب العالمي لانتزاع دور أكثر تأثيرًا في صياغة النظام الدولي الذي يهيمن عليه الغرب، بعد أن اتَّسعت مجموعة «البريكس»؛ لِتتحولَ من أعضائها الخمسة الأصليين: الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، إلى تكتُّل يضم (11) دولة موزَّعة عبر قارَّات إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيَّة، بعد انضمام المملكة العربيَّة السعوديَّة، ومصر، والإمارات، وإندونيسيا، وإيران، وإثيوبيا؛ حيث يُمثِّل هذا التكتُّل نحو نصف سكَّان العالم، و(40%) من الناتج المحلِّي الإجمالي العالمي، وقرابة (26%) من حركة التجارة العالميَّة.

تسعى دول «البريكس» إلى إصلاح مؤسَّسات التمويل الدوليَّة، بانتزاع تمثيل أفضل في صندوق النَّقد والبنك الدولي، بما يمنح الاقتصادات الناشئة صوتًا عادلًا يتناسب مع مساهماتها في رأس مال الصندوق، الذي يتألف أعضاؤه من (190) دولة، ويديره مجلس إدارة مُكوَّن من (24) عضوًا، (8) منهم دائمون. وتُعَدُّ الخزانة الأميركيَّة المُسهِم الرئيس في رأس ماله بنسبة (16.5%)، ثم الصين (6.08%)، والاتحاد الأوروبي يمتلك نفس أسْهُم الولايات المُتَّحدة، وباقي الأعضاء يمتلكون باقي الأسْهُم، والجزء الباقي من رأس المال يأتي من الاشتراك المدفوع عند الانضمام. ويرتبط حجم القروض التي يقدِّمها الصندوق بالملاءة الماليَّة للدَّولة المقترضة، وتصنيفها الائتماني، وعلاقتها بواشنطن التي ترفض تخفيض مساهمتها ونفوذها لمصلحة الوافدين الجُدد مثل الصين؛ حيث تمتلك أميركا وحدها حقَّ النقض «الفيتو»، بحكم الأمر الواقع الذي يسمح لها برفض منح أيِّ قرض يتعارض مع مصالحها، كما حدث في خريف (1956)، عندما رفضت طلب مصر تمويل السَّد العالي.

ويبرز النقاش في أروقة «البريكس» حول عالم متعدِّد الأقطاب، تتوزع فيه التأثيرات بين مراكز مُتعدِّدة بدلًا من هيمنة عدد محدود من القوى العظمى. وجاء شعار قمَّة نيودلهي: «البناء من أجل الصمود، والابتكار، والتعاون، والاستدامة». كما دارت نقاشات حول الحوكمة العالميَّة الشاملة، وتعزيز العمل متعدِّد الأطراف، والشروط العمليَّة للتنمية الاقتصاديَّة، وإمكانيَّة الحصول على التمويل اللازم، وحُريَّة التجارة والتكنولوجيا والصحَّة والأمن الغذائي والمائي، والرَّبط القاري، وصمود المُجتمعات، وتمكين المرأة.

ولمواجهة أزمة التمويل، أنشأت «بريكس» بنك التنمية الجديد في العام (2015)، الذي يتزايد رأس ماله تدريجيًّا؛ لِيكونَ بديلًا لمؤسَّسات التمويل الغربيَّة. وهو يمنح قروضًا للمشاريع التنمويَّة بفائدة ميسَّرة، ويضع شروط سداد مرنة، دون إملاءات سياسيَّة أو إجبار على رفع الدَّعم أو إجراءات تقشفيَّة. كما تمَّ إطلاق صندوق لدعم الاحتياطات النقديَّة؛ لدعم الأعضاء في مواجهة أزمات نقص السيولة وموازين المدفوعات، مع دعوة الأعضاء لاستخدام العملات الوطنيَّة؛ لتسوية التعاملات التجاريَّة البينيَّة المتعلقة بالطاقة، التي تستنزف قدرًا كبيرًا من الاحتياطيَّات النقديَّة للدول الأعضاء غير المنتجة للنفط. ويبقى التحدِّي الأكبر لـ«بريكس» هو مواجهة الرسوم الحمائيَّة والعقوبات الاقتصاديَّة على عدد غير قليل من الدول أعضاء التكتُّل، ولا يستطيع باقي الأعضاء اختراق هذه العقوبات، وإلَّا وقعت الدَّولة والمؤسَّسات الماليَّة تحت طائلة العقوبات. فهل ينجح التكتُّل في إيجاد طريقه لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والتخلُّص من الهيمنة الغربيَّة؟

محمد عبد الصادق

كاتب صحفي مصري

[email protected]