الأحد 13 سبتمبر 2026 م - 1 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

دول مجلس التعاون .. القوة فـي استثمار التقارب فـي عصر الفوضى والاضطراب الدولي

دول مجلس التعاون .. القوة فـي استثمار التقارب فـي عصر الفوضى والاضطراب الدولي
الأحد - 13 سبتمبر 2026 02:58 م

محمد بن سعيد الفطيسي

لا شك أن منطقة الخليج العربي تُعَدُّ امتدادًا للجغرافيا السياسيَّة والأمنيَّة الأكثر اضطرابًا وتعقيدًا على المستوى الدولي في وقتنا الراهن، أقصد منطقة الشرق الأوسط، هذه المنطقة الأكثر عرضة للإغارة الجيواقتصاديَّة والجيوسياسيَّة العالميَّة منذ مطلع القرن الـ(21)، وذلك بسبب القِيمة الجيوسياسيَّة التي تمتعت، ولا تزال تتمتع بها على المستويين الإقليمي والدولي، سواء بفعل موقعها الجغرافي المتميز من الناحيتين الجيوبوليتيكيَّة والاستراتيجيَّة، والذي يُشكِّل عامل استقطاب مهمًّا للقوى الدوليَّة، بالإضافة إلى امتلاكها لأهم موارد الطاقة (النفط) في العصر الحديث، فباتت هذه المنطقة محورًا أساسيًّا من محاور الصراع والتنافس والاستقطاب الدولي في استراتيجيَّات وعقائد القوى العظمى، ومجالًا حيويًّا لتطبيقاتها الجيوبوليتيكيَّة.

على ضوء ذلك، لا توجد منطقة في العالم اليوم تواجه القواعد السلوكيَّة الدوليَّة بتعقيدات كبيرة مثل منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، «فقليلون أولئك الذين تنبهوا إلى أن هذه المنطقة، أي منطقة الشرق الأوسط، تُشكِّل قلب كل الاقتصاد العالمي» (1)، وأن مَن سيحكم هذه البقعة من العالم، والتي تُعَدُّ بمثابة منطقة القلب الحديث للعالم، فإنه سيتحكم ويسيطر على جزيرة العالم.

استنادًا على ما سبق، ستبقى الدول التي تقع على امتداد الخليج العربي، ومن بينها بكل تأكيد دول مجلس التعاون، بمثابة «جزيرة العالم»، «الجائزة الكبرى»، على حدِّ تعبير المتخصص البريطاني الشهير في الجغرافيا السياسيَّة هارولد ماكايندر، وبالفعل، فإن مَن سيسيطر عليها، وتحديدًا على ثرواتها، خصوصًا الثروة النفطيَّة والغاز، سيسيطر على العالم خلال العقود القادمة من خلال تلك الأوراق الجيواقتصاديَّة والجيوسياسيَّة المستقبليَّة.

لذا، لا تزال هذه الدول على رأس قائمة أولويَّات واهتمام الدول العظمى، كالولايات المُتَّحدة الأميركيَّة وروسيا. فجميع تلك القوى العالميَّة تحتاج إلى النفط، فهو، من حيث هو مصدر طاقة، قوام ثروتها، ومنبع قوَّتها، وشريان الحياة لوجودها وقدرتها على المحافظة على مصالحها. وكما ذكر مايكل جي. هوجمات في كِتاب «نهاية الحرب الباردة: مدلولها وملابساتها» من أن: «المكان المفرد في العالم اليوم الذي قد يتمخض عنه صراع كوني لا يزال بالإمكان تصوُّره هو منطقة الخليج، فعندما يرفع أحدهم الصراع الأخير في الشرق الأوسط إلى مرتبة الصراع الكوني، وأنه يصعب، بعد حربيين عالميتين، تمييز الحروب المحليَّة من الحروب واسعة النطاق» (2).

عليه، فإنَّ التوجُّه الأهم والأكثر قوَّة ومناعة لحماية جغرافيا مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة خلال المرحلة الزمنيَّة القائمة والقادمة من المخاطر المختلفة التي تحيط بها هو استثمار تعاونها وتقاربها مع بعضها البعض في مختلف المجالات والتوجُّهات والسلوكيَّات السياسيَّة والعسكريَّة والأمنيَّة، استثمار إمكاناتها في بناء محيط وقائي يحدُّ من تلك التهديدات العابرة للحدود الوطنيَّة، وعلى رأسها المخاطر الأمنيَّة والعسكريَّة. ولعلَّ الخطوة الأكثر أهميَّة في هذه المرحلة هو البحث عن القواسم المشتركة للتعاون، التوجُّهات والسياسات الاستراتيجيَّة ذات العُمق التعاوني، البحث عن كل نقاط الالتقاء والتعاضد والتقارب.

إنَّ المصير المشترك الذي يربط دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة في هذه البقعة الجغرافيَّة المضطربة من العالم، وهو جانب قطعي من وجهة نظري، يدفع إلى ذلك اليقين السلوكي والخيار العملي الواحد في دعم ومساندة بعضهم البعض. وإن كان هذا الأمر مهمًّا للغاية في وقتنا الراهن، فإنه سيكون أكثر أهميَّة استراتيجيَّة للبقاء والاستمرار الوجودي في المرحلة القادمة، فهذه الأخيرة تبرز ـ بلا شك ـ تصاعد التهديدات والمخاطر الاستراتيجيَّة.

ــــــــــــــــــــ

مراجع:

-الفن وهايدي تافلر(أشكال الصراعات المقبلة، حضارة المعلوماتيَّة وما قبلها) دار الأزمنة الحديثة/ بيروت، ط1/1998م ص 298

2-محمد بن سعيد الفطيسي، مستقبل النزاعات السياسيَّة في ظل الأزمات الاقتصاديَّة، 11/يناير/ 2016م، صحيفة الوطن العمانيَّة، على الرابط: http://alwatan.com/details/93716

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @