الأحد 13 سبتمبر 2026 م - 1 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : هل ما زلنا نشعر بالامتنان؟

نبض المجتمع : هل ما زلنا نشعر بالامتنان؟
الأحد - 13 سبتمبر 2026 02:56 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

في الواقع، كم واحدًا منَّا شعر بنكران الجميل من أقرب الناس له؟ لا شك أن أغلبنا، إذا لم نكُن كلُّنا، حدَث معنا هذا الموقف، بل وتكرر مرارًا مع أشخاص آخرين، لدرجة وصل فيها البعض منَّا إلى عدم الثقة في التعامل مع الآخرين؛ خشية أن يقع في مثل هذا المطب.

لو عدنا للتاريخ، هل الأمر مرتبط بحياتنا المعاصرة ولهاث البشر وراء المادَّة، وبالتَّالي انعكس الأمر على طُرق تعاملهم، وأصبحت المادَّة هي مَن يتحكم بهم؟ أم أن الأمر ليس له علاقة بعصر معيَّن أو وقت مُحدَّد؟ الواقع فعلًا ليس الأمر مرتبطًا بالعصر الذي نعيشه، فكتب التاريخ حبلى بالقصص والروايات التي تصف هذا النَّوع من الطباع البشريَّة، فنكران الجميل صفة متأصِّلة في النفْس البشريَّة. وهنا أُشير إلى مقولة أحَد العلماء المسلمين في العصر الحديث، وله تفسير جميل للعبارة المشهورة (اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه)، ورُبَّما هي العبارة الأنسب لِتصفَ موضوع مقالنا أيضًا، حيث يرى الإمام الشعراوي أن الأمر هنا مرتبط بطبيعة النفْس البشريَّة التي تتنكر بسرعة لِمَن أحسنَ إليها، خصوصًا إذا استطاعت أن تغيِّر من مستواها الاقتصادي أو حتى الاجتماعي، وبالتَّالي ترى فيمن أحسَنَ إليها سابقًا شخصًا منافسًا أو لِنقلْ شخصًا أعلى مرتبة منه بحكم إحسانه إليه سابقًا، وبالتَّالي لا بُدَّ من إزاحة هذا الشخص؛ نظرًا لأنه يشعر بحجم أصغر من حجمه أمام هذا الشخص الذي أحسَنَ إليه، وهو هنا لا يريد أن يكونَ في هذا الموقف. من هنا يتنكر للجميل، وتبقى النفوس المريضة من الناس وقودًا يشعل هذا الأمر في نفسيَّة هذا الشخص من زاوية أخرى أيضًا.

طبعًا هنا نتحدث عن الأشخاص المرضى الذين ينظرون للأمر من هذا المنظار المريض، ولكن الشخص السَّوي يظلُّ متصالحًا مع نفسه أولًا، وقادرًا على ردِّ الجميل للشخص الذي أحسَنَ إليه، وليس العكس كما نراه حاليًّا. عجبتني مقولة للشاعر محمد المقحم يتحدث فيها عن أن المعيار الحقيقي الذي يجب أن نضعَه لكي نكوِّنَ صداقات عميقة مع الآخرين هو الامتنان للأمور البسيطة، بمعنى أن لا ترافق إلَّا الشخص الذي يشعر بأن كل عمل تُقدِّمه له مهما صغر هو عمل كبير يجعله أسيرًا للشخص الذي أحسَنَ إليه، وهؤلاء قلَّة ـ للأسف الشديد ـ الذين يتذكرون الأعمال الصغيرة ويشعرون بالامتنان، فالأعمال الكبيرة والصغيرة ـ للأسف الشديد ـ لا تظهر لها قِيمة عند الكثيرين.

ولا يمكن الشعور بنكران الجميل إلَّا عند المواقف، فغالبيَّة البشر مجاملون حتى النخاع ما دامت المصالح تمشي في طريقها الصحيح نحوهم، ولكن تنكشف الحقائق عند أول اختبار، عند أول تحوُّل للمصالح، ينكشف كل شيء وتظهر الحقائق، ورغم ما قدَّمت لا يوجد ولو ذرَّة واحدة من الامتنان، لماذا؟ الإجابة أصعب من السؤال، وتتداخل فيها التربية التي نشأ فيها الشخص، وتتعداه لمدى النضج الذي وصل له ومدى قدرته على النظر للأمور من منظور عقلاني قبل أن يكونَ عاطفيًّا، فمهما حصل بين أيِّ شخصين من خلاف لا بُدَّ من تحكيم جانب الامتنان الذي في النهاية سيجعل الفارق كبيرًا ويعود الأمور إلى نصابها.

تعجُّ وسائل التواصل الاجتماعي بالكثير من العبارات والقصص التي تصوِّر نكران الجميل بأنَّه عادة بشريَّة متأصِّلة ومستمرَّة ومنتشرة بكثرة في مُجتمعاتنا. والحقيقة أنها موجودة من الأزل. كل ما في الأمر أننا أصبحنا نسمع عنها ليل نهار. خلاصة الأمر: قدِّم الخير لكل شخص ولا تنتظر ردَّ الجميل، فمن رده يعبِّر عن أصالة منبته، ومن تنكر له فهو نقيض ذلك، ولكن لا ترفع سقف طموحاتك وتوقُّعاتك، وفي كل الأمور اهتم بالجوانب والأعمال التي تنمِّي وتطوِّر حياتك بدون استقطاع منها وقتيًّا أو ماديًّا أو معنويًّا للآخرين، حتى لا تجدَ نفسك يومًا تعضُّ أصابعك ندمًا، فقط قدِّم الخير وامْضِ ولا تلتفت لردَّة الفعل، وهذا هو الخيار الأفضل من وجهة نظر. فالامتنان يحتاج إلى شجاعة وقوَّة لا يجيدها إلَّا القليل.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]