تعاني البشريَّة من مرض عصري، وليس عضويًّا، لكنَّه منتشر بين الكثيرين، وهو مرض التأجيل (باكر أو غدًا): «باكر هبدأ»... «باكر هتغير»... «باكر هصلح»... «باكر هعتذر»... «باكر سأذهب للطبيب»... «باكر هقرأ»... «باكر هاهتم ببيتي وأولادي»... وبين «باكر وباكر» اكتشفنا فجأة أن العمر نفسه أصبح «أمس»، ونحن لا نعاني دائمًا من نقص الوقت، كما نحب أن نقنع أنفسنا؛ نحن نعاني من مرض أكثر خطورة، وهو إدمان التأجيل. لدينا قدرة مذهلة على تأجيل كل شيء، حتى الأشياء التي نعرف جيدًا أن تأجيلها سيكلفنا أكثر؛ فنؤجل قرارًا نعرف أنه ضروري، ونؤجل اعتذارًا نعرف أنه واجب، ونؤجل مواجهة مُشْكلة حتى تكبرَ، ونؤجل الاهتمام بصحَّتنا حتى يرسلَ لنا الجسد فاتورة لا تقبل التقسيط. والأغرب أنَّنا لا نشعر بأنَّنا نكذب على أنفسنا؛ نحن فقط نقول: باكر أو غدًا، وكأنَّ «باكر» موظف حكومي أسطوري، نرسل إليه كل الملفات التي عجزنا عن إنجازها اليوم، ثم ننام مرتاحين لأنَّنا ــ من وجهة نظرنا ــ لم نهربْ من المسؤوليَّة، وإنما «رحَّلناها» فقط. وهكذا أصبحت حياتنا أشْبَه بمكتب ضخم للأرشيف: ملف مؤجَّل هنا، وحلم مؤجَّل هناك، وقرار مؤجَّل في الدرج، ومشروع مؤجَّل على المكتب، وعلاقة تحتاج إلى إصلاح منذ سنوات، لكنَّنا قرَّرنا أن نتركَها «لمَّا الظروف تهدأ أو تتحسن». والظروف، ببساطة، لا تعرف موعدًا اسمه «لمَّا تهدأ» أو «لمَّا أفضى»... الجملة التي قتلت أشياء كثيرة. كم مرَّة قلت لنفسك: «لمَّا أفضى هعملها»؟ المُشْكلة أن الإنسان لا يفضى. كلَّما انتهى شيء ظهر شيء آخر، ومَن ينتظر اليوم الذي تخلو فيه حياته من المشاكل والالتزامات حتى يبدأَ ما يريد، قد ينتظر حتى تنتهيَ الحياة نفسها. نؤجِّل القراءة لأنَّنا مشغولون، ونؤجِّل الرياضة لأنَّنا متعبون، وغيرها الكثير من التأجيلات، ثم تمرُّ الشهور، ثم السنوات، ثم ننظر إلى الوراء فنكتشف أن الشيء الوحيد الذي لم نؤجِّله كان مرور الوقت. الوقت لم ينتظرنا؛ نحن فقط كنَّا ننتظر أنفسنا.
المُشْكلة ليست في «باكر»... المُشْكلة في أنَّنا صدقناها، وهي في حدِّ ذاتها ليست مُشْكلة؛ لأنَّ كل إنسان يحتاج إلى التخطيط للغد، لكن المُشْكلة تبدأ عندما تتحول «باكر» من موعد إلى مخدِّر نفسي. نقولها لكي نشعرَ بالراحة. مجرَّد قولنا «سأفعل» يمنح العقل شعورًا قريبًا من شعور الإنجاز، رغم أنَّنا لم نفعل شيئًا، وهنا تكمن اللعبة الخطيرة. نحن لا نريد إنجاز المهمَّة بقدر ما نريد التخلص من الإحساس بالذنْب الناتج عن عدم إنجازه، ومع مرور الوقت وبنفس العادات القديمة. ورُبَّما تكون العلاقات الإنسانيَّة هي أكثر ما يدفع ثمن التأجيل. كم أب يؤجِّل الجلوس مع أبنائه لأنَّه مشغول؟ وكم أُم تؤجِّل الاهتمام بنفسها لأنَّ البيت لا ينتهي؟ وكم زوجين يعرف كل منهما أن هناك مُشْكلة تحتاج إلى حديث صريح، لكن كل واحد منهما ينتظر أن يبدأَ الآخر؟ حتى يأتيَ يوم يصبح فيه الحديث نفسه أصعب من المُشْكلة. وفي العلاقات، هناك حقيقة مؤلمة، وهي أن المشاعر لا تموت دائمًا بسبب الخلافات الكبيرة، بل أحيانًا تموت بسبب تراكم الأشياء الصغيرة التي قُلنا: تمَّ تأجيلها إلى باكر. ورُبَّما لأنَّ المسافة لم تبدأ بخطوة، بدأت بعشرات التأجيلات الصغيرة لباكر. حتى التعليم له نصيب من التأجيلات، والتي تؤثِّر على المستوى العلمي للطالب؛ حيث يؤجّل الواجب لبعد قليل، والاستعداد للامتحان إلى حين يقترب ميعاده. إنَّنا نتصرف وكأنَّ الغد حق مكتسب، وأنَّنا لدينا عقد مضمون مع الحياة يضمن له صباحًا جديدًا، والحياة لا تقدِّم هذه الضمانات. لا أحد يعرف كم بقي له من الوقت، ممَّا يجعلنا نفهم قِيمة اليوم. وإذا كان هناك حلم، فلا تنتظر الظروف المثاليَّة، وإذا كانت هناك مُشْكلة، فلا تسمح لها بأن تتحولَ إلى جزء من شخصيَّتك. نحن نحتاج إلى قرار جديد؛ فالفرق بين الإنسان الذي يقول «سأبدأ» والإنسان الذي بدأ فعلًا قد يكون مجرَّد خطوة صغيرة: الأول يتحدث عن المستقبل، والثاني يصنعه.
رُبَّما نحتاج جميعًا إلى سؤال بسيط، لكنَّه قاسٍ: ماذا لو لم يأتِ الغد الذي نؤجِّل إليه كل شيء؟ ماذا لو كانت هذه آخر فرصة للاعتذار؟ آخر فرصة لأن نقولَ لأنفسنا: كفى تأجيلًا؟ نحن لا نملك الغد؛ نملك فقط هذه اللحظة؛ لأنَّ الحياة لا تتغير غالبًا بالقرارات الضخمة التي نعلنها أمام الجميع، بل بجملة صغيرة نقولها لأنفسنا في هدوء: «لن أؤجلها هذه المرة»؛ لأنَّ الحقيقة القاسية هي أن «باكر» ليست وعدًا، إنَّه مجرَّد احتمال. أمَّا اليوم فهو الشيء الوحيد الذي وصل فعلًا. فلا تضِعْه وأنتَ تنتظر شيئًا اسمه باكر أو غدًا.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن »