السبت 12 سبتمبر 2026 م - 30 ربيع الأول 1448 هـ

بلدان الأراضي المنخفضة .. وفرة وجمال وازدهار زراعي «6ـ6»

بلدان الأراضي المنخفضة .. وفرة وجمال وازدهار زراعي «6ـ6»
السبت - 12 سبتمبر 2026 02:57 م

سعود بن علي الحارثي

سادسًا: خلاصات.

أولًا: وصل «محمد» إلى «هولندا» مهاجرًا من جمهوريَّة مصر العربيَّة قبل (٣٦) سنة. وهو متزوج، وأكبر بناته تبلغ من العمر (٣٤) عامًا، وقد وُلدت في أمستردام. يعمل في مطعم يقع في زقاق يتفرع من ساحة «دام». وأثناء تناولنا للعشاء، أطنب في مدح الشَّعب الهولندي الذي عامله ـ كما يقول ـ وعامل آلاف المهاجرين الآخرين ـ الباحثين عن فرص العمل والعيش الكريم ـ بطيبة وأخلاق عالية ومروءة قلَّ مثيلها، وساندهم ليصبحوا ناجحين في أعمالهم؛ فلم يشعروا طوال هذه السنوات بتمييز أو تفضيل بين فرد وآخر على أساس الهُوِيَّة أو العِرق أو الانتماء؛ فالقانون والقِيَم الإنسانيَّة والسلوك المقبول هي الأُسُس التي تُبنى عليها العلاقة وأُسلوب التعامل. العربي الآخر الذي التقينا به مسيحي من لبنان، يمتلك مطعمًا في قلب «بروكسل». استقبلنا مرحبًا ومعبِّرًا عن مشاعره ببضع كلمات: «بلدنا ما في زيّه، لكن لم يَعُد لدينا بلد اليوم؛ حيث يُقتل فيه المواطن على الهُوِيَّة». وعن قصَّة هجرته إلى بلجيكا، يقول: «قَبل إحدى عشرة سنة هربنا، أنا وأُسرتي، خوفًا من الموت، فساقتنا الأقدار إلى بروكسل، ونحن لا نملك شيئًا. فأقمنا في الشارع، وأشفقتْ علينا أُسرة بلجيكيَّة استضافتنا في بيتها أربعة عشر يومًا، وساعدنا أفرادها إلى أن تدبَّرنا أمرنا. وعندما سألناهم: كيف اطمأنوا لنا دون أن يعرفوا عنَّا شيئًا؟ أجابوا: لأنَّنا نؤمن بالمشترك الإنساني، وهذا يكفي». ملايين العرب يقيمون اليوم في أنحاء أوروبا؛ لفظتهم بُلدانهم التي عشَّش فيها الفساد والجهل، وأنهكتها الانقسامات السياسيَّة والحروب الأهليَّة والظلم. يجدون هنا فرص العمل والحُريَّة والعِلم والعيش الكريم، ويساعد بعضهم بعضًا، ويمتلكون الخبرات والتجارب والعلاقات التي يهديها السابق إلى اللاحق. وفي معظم المِهن والأعمال المتواضعة ـ إن لم يكن جميعها ـ يشتغل أفارقة وعرب وآسيويون، ممَّن لم ينالوا حظًّا من التعليم وخبرات الحياة وإتقان الأعمال والوظائف الرفيعة. ثانيًا: محطَّات النقل عالم مدهش، فيها تفاصيل وملامح ومشاهد لا حصر لها. يلتقط المسافر الكثير من الإضاءات والصوَر والخلاصات عن تقاليد الشعوب، وتحوُّلات الحياة، وخصائص البشر، وتأثيرات العولمة، ومفردات الاقتصاد وقِطاعاته ونشاطاته، والتقدم الهائل، والطفرة الواسعة التي يشهدها العالم من حولنا، ومسيرة هذا التقدُّم وتدرُّجه الذي بدأ هنا منذ قرون. وتشهد عليه محطَّات القطارات التي شُيِّد بعضها قبل ثلاثة قرون بكل هذا البذخ والأبَّهة والفخامة والجمال المعماري المثير للإبهار، والتي تقدّم اليوم عنوانًا ودلالة على ازدهار البلدان الأوروبيَّة... يحفِّز هذا الفضاء على البحث عن المعنى وراء كل ما يحدث فيه من تفاصيل وحركة نشطة عجيبة، وما يقف وراءها من إدارة وإشراف وقيادة وعمل ومتابعة وتحديث وتنسيق وتقييم وصيانة؛ وهي الأخرى انتقلت من العقل البشري ويد الإنسان إلى التقنيَّة والذَّكاء الاصطناعي... فيضان من البشر هنا في محطَّات النقل بأنواعها: أفراد يلهثون ويركضون مسابقين الزمن للحاق برحلاتهم، يجرون حقائبهم وأكياسهم، أو يحملونها على ظهورهم، ويحملون درَّاجاتهم الهوائيَّة، ويصطحبون كلابهم وأطفالهم. ينتقلون من وسيلة نقل وعربة إلى أخرى والعكس، ويسافرون داخل المدينة أو فيما بينها في البلد نفسه، أو يواصلون مسيرهم إلى بُلدان أخرى قريبة أو بعيدة؛ فسكَّة القطارات ربطت عشرات الدول ومئات المُدن الأوروبيَّة بعضها ببعض... جلُّهم مشغولون بعوالمهم، يعيشون في فضاءاتهم الخاصة: عمل، مشروع، وظيفة، تدريب، تحقيق هدف ما... عقولهم وأفكارهم ومشاعرهم وأبصارهم وأناملهم مصوَّبة إلى شاشات الهواتف والأجهزة المحمولة؛ ينجزون أعمالهم، ويهاتفون الأطراف الأخرى المرتبطة بالمشروع، ويبحثون عن المعلومات، ويُخططون، ويُحققون تطلُّعاتهم وهواياتهم... تحوُّل عظيم ومهول في الثقافة وتقاليد الحياة... مقيمون، عابرون، مواطنون، مهاجرون، سيَّاح، باحثون عن فرص عمل، موظفون... ملامح مكدودة تسفح شقاءً وهمًّا، وأخرى تنضح بشرًا وفرحًا وسعادةً. أحدهم يواسي الآخر في عناق حميم دافئ، أو يودعه حزينًا، أو يستقبله بفرح صادق. أغنياء في الدرجات الأولى، وفقراء في العاديَّة، ومسنون تحملهم كراسي ذوي الاحتياجات الخاصَّة، وشباب، وأطفال، ونساء، وبيض الوجوه، وسود البشرة، يرطنون بلُغات كثيرة: أوروبيَّة، وإفريقيَّة، وإنجليزيَّة، وعربيَّة، وتركيَّة، وصينيَّة، وإيرانيَّة، ويابانيَّة... مزجتهم محطات القطارات والمترو وعرباتها في بوتقة واحدة، بأديانهم وأعراقهم وبيئاتهم وانتماءاتهم ومذاهبهم وأعمارهم وألوانهم وأفكارهم وتصوُّراتهم المتناقضة والمتوافقة. فيا لها من جامعة بشريَّة تدعونا إلى التأمل والمشاهدة والتقاط الصوَر، والتعبير عن المشاعر التي تتقاذفها النفس، وتختزنها الذاكرة، ويسجِّلها القلم...

ثالثًا: تتميز العمارة في هولندا وبلجيكا بالجمال، والأناقة، والمتانة، والأبَّهة، والبذخ، والتناسق في الهندسة والألوان. ولكل مبنى قصَّة وحكاية شيِّقة، وصاحبت تاريخ وجوده أحداث سياسيَّة ومناشط ومناسبات اجتماعيَّة وثقافيَّة. وحماية هذه المباني والساحات وتقاليد الحياة المرتبطة بها ميزة تفردت بها المُدن الأوروبيَّة دون غيرها؛ فكل مَعْلم وبناء، ومحطَّات القطارات، والشوارع المرصوفة بالحصى، والعلامات التجاريَّة القديمة، تُجرى عليها ترميمات تتوافق مع قِيمتها التاريخيَّة ـ الحضاريَّة، ولمسات ساحرة من الإبداع والفن المثير للإبهار والتأمل، وطرح الأسئلة الوجيهة عن عظمة هذا الازدهار الاقتصادي الذي شهدته أوروبا؛ فمكَّنها من أن تبنيَ مُدنًا بهذا البذخ والفن المعماري المتفرد، وأن تحافظَ عليها مكانةً وشكلًا عمرانيًّا طوال القرون المنصرمة، وتبقيها نابضة بالحياة، متألقة بالجمال، متآلفة مع الذَّوق الإنساني الرَّفيع؛ فتثير فيه هذا الشعور بالسعادة والراحة، وتمنحه الإحساس بالمعنى والجمال والسَّلام الداخلي العميق، وتحفِّزه على الاسترخاء والتأمل وممارسة التفكير... كما أن المتنزهات الطبيعيَّة الشاسعة، التي تتزين بالبحيرات والجداول المائيَّة، وعشرات الأنواع من الأشجار والزهور والطيور والفراشات، ومفردات الجمال والمماشي والطبيعة البكر... التي تحفِّز على التأمل والإبداع والشعور بقِيمة الجمال وتنمية الذائقة والتشجيع على ممارسة الرياضة... ممَّا تتفرد به المُدن الأوروبيَّة خاصة؛ حيث تتغلغل الغابة، وعطر أشجارها وزهورها الفواح، في قلب المدينة؛ فيشعر السكان بلمسة من الحميميَّة اللطيفة، وإحساس عارم بالنشاط والحيويَّة، والانطلاق بتفاؤل نحو المستقبل...

رابعًا: الأسواق، والمحطَّات، والفنادق، والمطاعم، والمَحال التجاريَّة، والمقاهي، والمعالم السياحيَّة، والساحات، والمتنزهات... تفيض بالمتسوقين والمرتادين والسيَّاح. ندخل عربة القطار، أو المقهى، أو المطعم، وهي شِبه فارغة، وسرعان ما تمتلئ بالبشر؛ فهنا لا شيء كاسد أو معطَّل، أو على وشك الإفلاس والإغلاق. الأنشطة التجاريَّة ـ السياحيَّة والخدميَّة ـ عامرة بتدفقات الأموال التي تُحكِم يدُ الرقابة والقانون الحفاظَ عليها، وتوجيه ضرائبها إلى خزانة الدَّولة.

خامسًا: يشعر الزائر والسائح، في كلٍّ من هولندا وبلجيكا، بودِّ الناس، وأخلاق الشَّعبين، وحُسن التعامل، والابتسامة دون تكلُّف، والمبادرة إلى تقديم المساعدة والخدمة كلَّما احتاج إليها إنسان في القطار، أو السوق، أو محطَّات النقل، أو الشارع. أمَّا المعيشة فغالية، والأسعار في الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق مكلفة... ومع ذلك، فالحياة تمضي دون منغِّصات، في بيئة مزدهرة بالصناعات والأعمال والقدرة على الدفع. والنظام محترم ومطبَّق من قِبل الجميع، والحوادث والاستغلال والتسوُّل والسرقة لم نلحظها طوال إقامتنا في مُدن البلدين، وكل إنسان منكفئ على ذاته، لا يتدخل في شؤون غيره...

سعود بن علي الحارثي

[email protected]