السبت 12 سبتمبر 2026 م - 30 ربيع الأول 1448 هـ

(في العمق) .. التحول المؤسسي: نحو بيئة عمل أكثر كفاءة واستدامة

(في العمق) .. التحول المؤسسي: نحو بيئة عمل أكثر كفاءة واستدامة
السبت - 12 سبتمبر 2026 02:55 م

د.رجب بن علي العويسي

تُمثِّل إعادةُ الهيكلة مرحلةً مفصليَّة في تطوير منظومة الجهاز الإداري للدَّولة وعمل المؤسَّسات، وهي مرحلة تستند إلى إرث تشريعي وتنظيمي متكامل أرسته منظومة دولة المؤسَّسات، وأطَّرته رؤية «عُمان 2040»، وما تبعها من تحديثات في التشريعات والقوانين، التي عزَّزت حضور مفاهيم الحوكمة، والشفافيَّة، والنَّزاهة، والكفاءة، والابتكار، وتطوير الأداء، والتحوُّل الرَّقمي، وغيرها من المفاهيم المرتبطة بالرقابة والنَّزاهة والشفافيَّة؛ لِتُمثِّلَ هذه المنظومة المتكاملة فرصةً للانتقال بالممارسة المؤسَّسيَّة، في ظلِّ التحوُّل المؤسَّسي، إلى فضاءات أكثر كفاءةً ومرونةً وإنتاجيَّة.

وإذا كانت هذه المنطلقات قد رسمت الإطار العام لبناء مؤسَّسات أكثر قدرةً على المنافسة والإنجاز، فإن المرحلة المقبلة لا يجب أن تقفَ عند هذا الحدِّ، بل تتطلب تقييمًا ومراجعةً لِمَا تمَّ إنجازه، والوقوف على طبيعة الممارسة الحاصلة، وإلى أيِّ مدى تقدِّم نموذجًا عمليًّا وإطارًا محكمًا يعكس الغايات الكبرى والأولويَّات الوطنيَّة. وهذا يعني الحاجة إلى تعظيم الاستثمار في بناء فلسفة إداريَّة مؤسَّسيَّة مُوَحَّدة وواضحة المعالم، تكون مرجعًا لجميع وحدات الجهاز الإداري للدَّولة، وتؤسِّس لممارسة مهنيَّة مستقرَّة، تؤمن بأنَّ الإنسان هو محور التنمية، وأن نجاح منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها يُقاس بقدرتها على الاستثمار في رأس مالها البشري، وتعظيم الإنتاجيَّة، وتحويل المعرفة إلى ممارسة، والأنظمة إلى ثقافة عمل، واللوائح إلى أدوات لبناء الثقة وتحقيق العدالة.

لذلك نعتقد بأنَّ التحدِّي الأكبر في تعظيم الأثر الناتج عن إعادة الهيكلة، وتحويله إلى ممارسات عمليَّة يستشعر وجودها المُجتمع الوظيفي، ويقرأ فيها مسارات واضحة للتغيير، وإعادة إنتاج الواقع وتصحيح الممارسات غير المنضبطة التي ظلت ـ وقتًا طويلًا ـ أحد عناصر الهدر الإداري، يكمن في كيفيَّة تحويل هذا الرَّصيد التشريعي والتنظيمي والإداري، والتنوع في أدواته ووسائله، إلى ثقافة مؤسَّسيَّة وممارسة يوميَّة يؤمن بها المسؤول قَبل الموظف، وتنعكس على جودة الأداء، وفاعليَّة القرار، وكفاءة بيئة العمل. فالمرحلة القادمة تفرض ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة المؤسَّسات إلى مرحلة بناء المؤسَّسات؛ وهو انتقال لا يتحقق بإعادة الهيكلة وحدها، بل بصناعة فلسفة إداريَّة واضحة المعالم، تتبنَّاها جميع وحدات الجهاز الإداري للدَّولة، وتلتزم بها القيادات التنفيذيَّة، وتصبح مرجعًا لإدارة الموارد البشريَّة، ولجان شؤون الموظفين، واتِّخاذ القرار، وقياس الأداء، وإدارة التغيير، وصناعة الثقافة المؤسَّسيَّة.

إنَّ التحوُّل المؤسَّسي الفاعل والواعي، الذي يصنع الأثر ويقدِّم الفرص، هو الذي يبدأ من أروقة البيت الإداري الداخلي؛ بحيث تتحول بيئة العمل إلى بيئة تتجاوز حدود المهام الوظيفيَّة للموظف أو الاختصاصات المعتادة للمؤسَّسات، إلى صناعة الفارق وإدارة التغيير، وتؤمن بالشراكة والحوار، وتستثمر في التنوع الفكري، وتحتضن الكفاءات، وتَعدُّ الاختلاف الفكري، أو بمعنى آخر الاختلاف في وجهات النظر وثورة الأقلام التطويريَّة بالمؤسَّسات ووجود أصحاب الكلمة والأقلام الثريَّة في بيئة العمل، مصدرًا للإبداع وإعادة التفكير في هندسة العمليَّات المؤسَّسيَّة.

وبالتَّالي، ينبغي أن يضعَ التحوُّل المؤسَّسي، في تعظيم أثَره وتجسيده في بيئة عمل المؤسَّسات، في الاعتبار جملة الموجِّهات الآتية:

• إنَّ بناء بيئة عمل جاذبة تمتلك خيارات التنوع والاستدامة يستدعي توسيع مساحات الحوار المؤسَّسي، وتعزيز فرص التعايش المعرفي، وترسيخ ثقافة التسامح المهني، وإتاحة الفرصة للكفاءات الوطنيَّة للإسهام في صناعة القرار وتطوير بيئة العمل؛ ذلك أن الاستثمار في الحوار المؤسَّسي يُمثِّل اليوم أحَد أهمِّ مرتكزات التحوُّل الإداري. فكلَّما اتَّسعت دوائر الحوار، وتعزَّزت المشاركة في صناعة القرار، ووجد الموظف مساحةً آمنةً للتعبير عن الرأي وتقديم المبادرات، ارتفعت مستويات الانتماء المؤسَّسي، وتحوَّلت المؤسَّسة إلى بيئة منتجة للأفكار قَبل أن تكونَ منتجة للقرارات؛ لِيصبحَ الحوار المؤسَّسي إحدى أهمِّ أدوات صناعة الثقة، وتعزيز الولاء، وتحقيق الاستقرار الوظيفي.

• كما أنَّ المبادرات النوعيَّة التي بدأت تظهر في عدد من المؤسَّسات، أو التي جاءت في إطار برنامج التحوُّل المؤسَّسي، يمكن أن تتحول إلى نموذج وطني متكامل عندما تجد فرصتها للتعميم والتطوير، وإشراك الآخر في الإضافة إليها، وتحسين أثرها، وتجويد أدواتها؛ بما يعني الحاجة إلى الثقة والشراكة والاحتواء لتبادل الخبرات، وتوحيد أفضل الممارسات، وتحويلها إلى ثقافة مؤسَّسيَّة تتجاوز الاجتهادات الفرديَّة والخيارات الشخصيَّة.

• إنَّ حوكمة الإجراءات واستقرارها وثباتها، وتأصيلها علميًّا وتنظيميًّا، تُعَدُّ ركيزةً أساسيَّة لنجاح التحوُّل المؤسَّسي؛ بحيث تصبح العمليَّات الإداريَّة أكثر وضوحًا واستدامةً، وبعيدةً عن الارتباط بالأشخاص أو التغيُّرات الإداريَّة المتعاقبة، وترتكز على منظومة مؤسَّسيَّة قائمة على التخطيط، وإدارة المعرفة، والتكامل بين مختلف الوحدات التنظيميَّة؛ بما يُعزِّز التعاون والعمل بروح الفريق الواحد.

• تُمثِّل القيادة الإداريَّة (رئيس الوحدة والصفوف الأخرى من القيادات المؤسَّسيَّة) أحَد أهمِّ عناصر نجاح هذا التحوُّل، من خلال قدرتها على احتضان التغيير، وتمكين الكفاءات، وتحويل التنوُّع الفكري إلى مصدر قوَّة؛ بما يُعزِّز بيئة عمل تقوم على الثقة، والمشاركة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، ويمنح الموظف مساحةً آمنةً للإبداع والمبادرة والتعبير عن الرأي، باعتباره شريكًا أصيلًا في تحقيق مستهدفات المؤسَّسة.

• كما أنَّ العدالة المؤسَّسيَّة تُمثِّل حجر الزاوية في أيِّ عمليَّة تحوُّل ناجحة، انطلاقًا من أن نجاح المسار الإداري وكفاءته وقدرته على صناعة الأثر واحتواء الفرص بالمؤسَّسات يقوم على مبدأ تكافؤ الفرص، وربط الترقيات والحوافز والتكريم بالكفاءة والإنجاز، في إطار منظومة تقييم جادَّة تقدِّم خيارات التميُّز، وتحمي الحقوق، وتستشعر التنوع والخصوصيَّة في المهام المؤسَّسيَّة والوظائف، وترصد رأي المُجتمع الوظيفي ومرئيَّاته حول التطبيق، بدلًا من فرض نظام تقييم واحد دون مراجعته، أو الإصرار على تطبيقه رغم كل الاعتراضات عليه (إجادة)، مع إتاحة الفرصة لجميع الموظفين لإثبات قدراتهم بعيدًا عن الاعتبارات الشخصيَّة. وعندما يشعر الموظف أن النظام يحمي حقوقه، ويقدِّر جهده، ويكافئ تميُّزه، تتحول المؤسَّسة إلى بيئة محفِّزة للإبداع والإنتاج، ويصبح الانتماء المؤسَّسي سلوكًا طبيعيًّا لا يحتاج إلى تعزيز.

• وفي المقابل، فإنَّ تعزيز الحوكمة لا يقتصر على وجود الأنظمة، وإنما يتطلب بناء منظومة رقابيَّة ذكيَّة تعتمد على الوقاية قَبل المعالجة، وعلى المتابعة المستمرَّة، وقياس جودة الأداء، وتحليل المخاطر، وتقييم القرارات؛ بما يُسهم في رفع كفاءة المؤسَّسات، ويُعزِّز الاستخدام الأمثل للموارد، ويحافظ على المال العام، ويكرِّس ثقافة المساءلة والنَّزاهة والشفافيَّة.

• ولأنَّ التحوُّل الرَّقمي أصبح اليوم إحدى أهمِّ أدوات الإصلاح الإداري، فإنَّ نجاحه لا يرتبط بالتقنيَّات والأنظمة الرقميَّة وحدها، بل بأنسنة هذه الأنظمة، وإدارتها، وضبطها بضابط القِيَم والأخلاق والمبادئ؛ بما يعني بناء الإنسان الذي يديرها فكريًّا وروحيًّا وقِيَميًّا، وتهيئة البنية والبيئة المؤسَّسيَّة التي تستوعبها، والإجراءات التي تستفيد منها. فالتحوُّل الرَّقمي الحقيقي هو الذي يُعِيد تصميم الإجراءات، ويختصر الوقت، ويرفع جودة الخدمة، ويوفِّر البيانات الدَّقيقة لصانع القرار، ويجعل المؤسَّسة أكثر قدرةً على الاستجابة السريعة للتغيُّرات، وأكثر مرونةً في تقديم خدماتها، وأكثر كفاءةً في استثمار مواردها.

• كما أنَّ تعزيز الثقافة المؤسَّسيَّة القائمة على القِيَم والأخلاق المهنيَّة يُمثِّل ركيزةً أساسيَّة في نجاح مشاريع ومبادرات التحوُّل المؤسَّسي، وهو أمر يضع مؤسَّسات التقييم ومراكز الإحصاء والمؤشِّرات أمام الإفصاح الحقيقي عن موقع المؤسَّسات وتنافسيَّتها في هذا الشَّأن، سواء في تقديم الخدمة، ورضا المستهدفين، والابتكاريَّة في الأدوات، واحترام المستفيدين من الخدمة، والالتزام بالمسؤوليَّة في تقديم هذه الخدمة بجودة عاليَّة. فالمؤسَّسة التي تؤمن بالنَّزاهة، والاحترام، والعدالة، والعمل الجماعي، والشفافيَّة، هي المؤسَّسة الأكثر قدرةً على تحقيق الاستدامة، وبناء الثقة مع موظفيها والمُجتمع، وتحويل هذه القِيَم إلى سلوك يومي ينعكس في جودة الخدمات وكفاءة الأداء.

• إنَّ وجود منظومة للرصد والقياس، وتفعيلها وفق محكَّات ومؤشِّرات وطنيَّة، ومراجعة الممارسات الإداريَّة بصورة دوريَّة، وتقييم السياسات المتعلقة بالترقيات، والمكافآت، وبرامج التدريب، والابتعاث، واللجان، وإدارة المواهب، ينبغي أن يكونَ عمليَّة مؤسَّسيَّة مستمرَّةً، هدفها تعزيز العدالة، وتحقيق الكفاءة، وتوسيع فرص المشاركة، وترسيخ مبدأ الاستحقاق؛ بما يُسهم في صناعة بيئة عمل يشعر فيها الجميع بأن الإنجاز هو الطريق الحقيقي للتقدُّم.

أخيرًا، فإنَّ التحوُّل المؤسَّسي والرَّقمي لم يَعُد مشروعًا تطويريًّا فحسب، بل أصبح خيارًا استراتيجيًّا لرسم علامة فارقة في أداء المؤسَّسات الحكوميَّة، وصناعة نموذج إداري وطني أكثر كفاءةً ومرونةً واستدامةً، وقادر على استيعاب متطلبات المستقبل، وتعظيم الاستثمار في الإنسان، وترسيخ بيئة عمل محفِّزة على الابتكار والإنتاجيَّة. الأمر الذي يُؤكِّد الحاجة إلى تعظيم الثقافة المؤسَّسيَّة في قيادة العمل، وتنشيط دور العقل الاستراتيجي المؤسَّسي في مواجهة الممارسات غير المنضبطة الناتجة عن المزاجيَّة الإداريَّة؛ إذ من شأن ذلك أن يجعلَ المؤسَّسة أكثر قدرةً على الاستمرار في النجاح، مهما تغيَّرت القيادات أو تبدَّلت الظروف.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]