يُمثِّل اختيار ولاية الجبل الأخضر بمحافظة الداخليَّة عاصمةً للسياحة الخليجيَّة لعام (2027م) تتويجًا لمكانة إحدى أبرز الوجهات السياحيَّة في سلطنة عُمان، واعترافًا بما تمتلكه من مُقوِّمات طبيعيَّة وبيئيَّة وثقافيَّة وزراعيَّة منحتها خصوصيَّة يصعب تكرارها؛ ففيها تتجاور الطبيعة الجبليَّة والمناخ المعتدل والمدرَّجات الزراعيَّة والقُرى التراثيَّة، وتكتمل الصورة بمنتجات موسميَّة ارتبطت بهُوِيَّة المكان، كالورد والرمان والجوز والعسل، إلى جانب تجارب المغامرة والاسترخاء والضيافة العُمانيَّة الأصيلة. كما يظهر الاختيار نجاح الجهود المتواصلة لتطوير الولاية وتعزيز جاهزيَّتها، وما تحقَّق من نُمو في الحركة السياحيَّة؛ إذ ارتفع عدد زوَّارها بنسبة (9) بالمئة، من (203) آلاف و(629) زائرًا بنهاية عام (2024م) إلى (222) ألفًا و(151) زائرًا خلال عام (2025م)، بالتزامن مع وصول عدد المنشآت الفندقيَّة إلى (95) منشأةً توفِّر أكثر من (1060) غرفةً، وهو ما يُؤكِّد امتلاك الجبل الأخضر قاعدةً مؤهلةً للانتقال إلى مرحلة أوسع من الحضور السياحي الخليجي والإقليمي.
ولعلَّ القِيمة الأهم لذلك الاختيار تكمن في تحويله من مناسبة للاحتفاء إلى برنامج تنفيذي متكامل يمتدُّ طوال عام (2027م)، ويمنح الزائر أسبابًا مُتعدِّدةً للقدوم والإقامة والعودة، من خلال روزنامة تجمع الفعاليَّات النوعيَّة والتجارب الموسميَّة والمسارات الجبليَّة والأنشطة الثقافيَّة والزراعيَّة، وتقدِّم كل فصل من فصول العام بوصفه تجربةً قائمةً بذاتها. ويتطلب ذلك البدء المبكر في رفع جاهزيَّة المواقع والخدمات والمرافق، وتطوير وسائل التنقل والإرشاد، وتحسين التجربة الرقميَّة للزائر، وتكثيف الحملات الترويجيَّة الموجَّهة إلى الأسواق الخليجيَّة والإقليميَّة، بما يساعد على تجاوز موسميَّة الحركة السياحيَّة. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الفعاليَّات التي تنظَّم خلال عام الاستضافة وحده؛ إذ يتحدد أيضًا بقدرتها على إطالة مدَّة إقامة الزائر، وزيادة متوسط إنفاقه، وجذب استثمارات نوعيَّة، وبناء منتجات سياحيَّة تواصل أداء دورها بعد انتهاء العام.
ويرتبط الأثر التنموي المنتظر بمدى حضور المُجتمع المحلِّي داخل هذه المرحلة، بوصفه شريكًا أصيلًا في صناعة التجربة وحماية هُوِيَّة المكان والاستفادة من عوائدها؛ فالمزارعون والحِرفيون والأُسر المنتجة وروَّاد الأعمال والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة يُمثِّلون جزءًا أساسيًّا من القِيمة التي يقدِّمها الجبل الأخضر لزوَّاره. ومن الضروري أن تصلَ إليهم ثمار النُّمو عبر فرص العمل، وتطوير المشروعات، وفتح منافذ التسويق، وتأهيل الكفاءات المحليَّة للعمل في مجالات الضيافة والإرشاد وتنظيم التجارب. ويحتاج التوسُّع السياحي كذلك إلى توازن يحمي البيئة الحسَّاسة للولاية، ويحافظ على مدرَّجاتها الزراعيَّة ومواردها المائيَّة وقُراها التراثيَّة، حتى تظلَّ التنمية السياحيَّة أداةً لصون الخصوصيَّة الطبيعيَّة والثقافيَّة، ويصبح المُجتمع المحلِّي أوَّل المستفيدين من شهرة وجهته واتِّساع حضورها. إنَّ اختيار الجبل الأخضر يكتسب بُعدًا إضافيًّا مع التوجُّه نحو بناء وجهة سياحيَّة خليجيَّة متكاملة، تقوم على تطوير المسارات والباقات المشتركة وتعزيز الترويج الدولي المُوَحَّد، بما يساعد الولاية على الوصول إلى أسواق جديدة وتقديم تجارب أكثر تنوعًا وجودةً. ويمكن للجبل الأخضر أن يقدِّمَ نموذجًا عمليًّا يبرهن على قدرة الوجهات الخليجيَّة على الجمع بين الأصالة والاستدامة، وأن يكونَ بوَّابةً لتعريف أسواق جديدة بالتنوُّع السياحي الذي تزخر به سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون. ومن هنا، فإن عام (2027م) ينبغي أن يُشكِّلَ نقطة تحوُّل تنمويَّة دائمة، تترجم فيها قِيمة اللقب إلى استثمارات وفرص ومشروعات قابلة للاستمرار، ويصبح خلالها الجبل الأخضر نموذجًا لِمَا تستطيع السياحة أن تصنعَه عندما تتكامل جودة المكان مع حُسن التخطيط ومشاركة المُجتمع.