يقف الفكر التربوي المعاصر عند لحظة فارقة تتطلب إعادة تفسير الغايات الكبرى للتعليم؛ إذ لم يَعُد الرهان الحضاري مرتكزًا على كميَّة المعارف المتزاحمة في الذهن، بل على «البنية الذهنيَّة» التي تُعالج بها هذه المعارف. وفي ظل التغيُّرات المتسارعة والتغوُّل التقني المتجاوز للحدود، نطرح سؤالًا استراتيجيًّا مهمًّا: هل مساراتنا التعليميَّة تنتهج فلسفة «التلبيس المعرفي» لتحدِّدَ لهم ماذا يفكرون، أم أنها تعمد إلى تعزيز «الاستقلال الفكري» لتعلّمهم كيف يفكرون؟
تتأسس فلسفة التلقين بماذا يفكرون؟ على نموذج قديم يتعامل مع عقل المتعلم باعتباره قالبًا يجب ملؤه بالمعارف، وأنه عبارة عن مساحة انفعاليَّة سلبيَّة يجب غمرها بالحقائق الجاهزة والأُطر المُسلَّم بها وفق الأعراف والتقاليد وما جرت عليه العادة؛ فيخلق مرآة مشوّهة تعيد عكس إنتاج التفكير النمطي التقليدي، التي تُختزل المعرفة في حفظ النصوص، واستظهار القواعد دون إتاحة المجال للمراجعة أو التفكيك النظري. وتكمن الخطورة هنا ـ كما يُشير إلى ذلك جون هولت ـ أحد أبرز المفكرين الأميركيين وأكثرهم انتقادًا للتعليم النمطي التقليدي، بقوله: «إن الهدف من التعليم لا ينبغي أن يكونَ إجبار الطفل على تعلُّم ما نراه صالحًا، بل تدريبه على التفكير المستقل؛ ليكونَ قادرًا على تقييم ما يراه بنفسه».
قد يُحقق هذا النموذج نجاحات ظاهريَّة مؤقتة من خلال الامتثال الشكلي أو التحصيل الدراسي المعياري المرتفع، إلَّا أن كلفته الحضاريَّة في قادم الوقت ستكون مؤلمة وكبيرة؛ إذ تُؤكِّد الدراسات النفسيَّة والتربويَّة الحديثة هذه الخطورة في أن الاقتصار على الحفظ والتلقين لا يتعدى الحدود الضيِّقة للذاكرة قصيرة المدى، بينما يضعف قدرة القشرة المخيَّة قبل الجبهيَّة من تطوير وظائفها التنفيذيَّة العُليا، مثل: اتِّخاذ القرار، والتخطيط المستقبلي، والحل المَرِن للمُشْكلات، ومهارات التواصل مع الآخرين، والقدرة على تحمُّل المسؤوليَّة، واستيعاب ماهيَّة الولاء والانتماء. وكما يرى الفيلسوف والتربوي الأميركي جون ديوي: «إذا علَّمنا طلاب اليوم كما علَّمناهم أمس، فإننا نسرق منهم غدهم»؛ فنحن هنا لا نخلق جيلًا جديدًا منفتحًا بمن حوله، بل نُنتج أجيالًا تركن إلى الجمود الفكري والهشاشة الناقدة، فلا تستطيع تقييم ذاتها، ولا تملك القدرة على التعامل مع الأحداث الجارية.
وعلى النقيض من ذلك، يُسهم التركيز على كيف يفكرون؟ في نقل المسار الفكري للمتعلمين من عباءة الوصاية المعرفيَّة إلى التمكين العقلي والتمحيص؛ إذ لا تقف هذه الفلسفة على تقديم الإجابات السريعة، بل تولي أولويَّة كبيرة لمهارات التفكير العُليا، مثل: النقد، والتحليل، والمقايسة، والتركيب؛ حيث تخلق بيئة خصبة لإكساب المتعلم القدرة على تمييز الفرضيَّات عن الحقائق المثبتة، وتُسهم في مساعدته على كشف المغالطات المنطقيَّة، وتمكين مهارة طرح التساؤلات العميقة البعيدة عن المعرفة السطحيَّة؛ لتجعلَه أكثر عمقًا. فالهدف الرئيس للتعليم ـ كما يُشير إلى ذلك صاحب النظريَّة البنائيَّة، العالم والفيلسوف السويسري جان بياجيه ـ هو: «خلق رجال ونساء قادرين على صنع أشياء جديدة، وليس مجرَّد تكرار ما فعلته الأجيال الأخرى؛ أفراد قادرين على النقد والتثبت، ولا يقبلون كل ما يُقدَّم لهم». وذلك ما أكَّدته نتائج دراسة مركز تطوير التعليم والتفكير بجامعة أكسفورد: أن الطلبة الذين يمارسون مهارات التفكير ويعملون على ترتيب مساراتهم الذهنيَّة يسجلون تفوقًا دراسيًّا بنسبة تتجاوز (25%) عن أقرانهم في التعليم النمطي، علاوةً على امتلاكهم قدرات استثنائيَّة في نقل أثَر التعلم وتطبيقه في مجالات حياتهم المختلفة. إنَّ إسقاط هذه المعطيات العلميَّة والجدليَّة على الواقع التربوي في سلطنة عُمان يبرز حراكًا مؤسَّسيًّا جادًّا يستهدف مجاوزة أُطر التلقين التقليديَّة، مستندًا إلى فلسفة التربية في سلطنة عُمان، التي تجعل من «تنمية مهارات التفكير العلمي والناقد والابتكاري» مرتكزًا أصيلًا لبناء الشخصيَّة العُمانيَّة. ونلمس هذا التوجُّه في المبادرات التي تقودها وزارة التعليم للتحوُّل نحو المناهج القائمة على الكفايات، وتطبيق سلاسل عالميَّة متطورة في مادتَي العلوم والرياضيَّات، إلى جانب التطوير المستمر لمناهج الدراسات الاجتماعيَّة واللُّغات. ويستمدُّ هذا التحوُّل قوَّته ومساراته من التَّوجيهات السَّامية لجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ الذي أكَّد على محوريَّة التعليم العصري بقوله: «إن التفكير في المستقبل وتطلُّعاته يتطلب منَّا مواكبة متطلبات العصر في مختلف المجالات، وعلى رأسها التعليم والبحث العلمي والابتكار؛ لبناء قدرات وطنيَّة قادرة على المنافسة والاستجابة للمتغيِّرات».
كما يستمدُّ هذا التحوُّل قوَّته من رؤية «عُمان 2040»، وبالأخص ضمن أولويَّة التعليم والبحث العلمي والقدرات الوطنيَّة، التي تهدف إلى إيجاد نظام تعليمي يتَّسم بالديناميكيَّة المستدامة والابتعاد عن النمطيَّة، وتعزيز مهارات القرن الحادي والعشرين، والذَّكاء الاصطناعي، والتحليل المنطقي. ولم يَعُد المنهج العُماني الحديث يقتصر على سرد المادَّة العلميَّة، بل يُفرد مساحات واسعة لمعايير التفكير العُليا. إنَّ منح الأبناء «بوصلة التفكير» بدلًا من إعطائهم «خريطة مسبقة الصنع» هو السبيل الأمثل لبناء شخصيَّة عُمانيَّة متكاملة ومبتكرة، قادرة على إنتاج المعرفة، والمشاركة الفاعلة في مَسيرة التنمية الشاملة، وقيادة المستقبل بوعي وثبات.
د. سلطان بن خميس الخروصي
كاتب عُماني