السبت 12 سبتمبر 2026 م - 30 ربيع الأول 1448 هـ

في الحدث : آفاق الاقتصاد السياحي لمبادرة «الممتلك الثقافـي» العماني

في الحدث : آفاق الاقتصاد السياحي لمبادرة «الممتلك الثقافـي» العماني
السبت - 12 سبتمبر 2026 02:50 م

طارق أشقر

يُمثِّل اعتماد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لمبادرة «الممتلك الثقافي» التي يقودها فريق بهلاء التطوعي، بالتعاون مع وزارة التراث والسياحة واللجنة الوطنيَّة العُمانيَّة للتربية والثقافة والعلوم، خطوةً لها آفاقها الواعدة في مجال الاقتصاد السياحي لسلطنة عُمان.

كما يُؤكِّد هذا الاعتماد الدولي قدرة سلطنة عُمان على توظيف رصيدها الحضاري في بناء نموذج تنموي قائم على الاستثمار المستدام في التراث؛ كون مبادرة الممتلك الثقافي، التي ستُنفَّذ في قلعة بهلاء، المدرجة على قائمة التراث العالمي منذ عام (1987)، سيكون لها إسهامها في الانسجام مع رؤية الجهات المعنيَّة لأجلِ جعل التراث عنصرًا فاعلًا في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز تنافسيَّة القِطاع السياحي، مع التركيز على المشاركة المُجتمعيَّة ونقل المعارف التقليديَّة المرتبطة بالموقع السياحي.

تأتي هذه الخطوة في وقت أصبح فيه التراث في الاقتصاد السياحي الحديث موردًا تنمويًّا يمكن أن يصنعَ قِيمة اقتصاديَّة مستدامةً تربط بين حماية التراث، وتنشيط السياحة، وتمكين المُجتمع المحلِّي.

كما تزداد أهميَّة هذه المبادرة بإدراج مشروع «حصن بهلاء» ضمن حملة متطوِّعي التراث العالمي (2026) التي ينظِّمها مركز التراث العالمي باليونسكو، بمشاركة (87) مشروعًا في (82) موقعًا للتراث العالمي أو المواقع المدرجة على القوائم التمهيديَّة، في (37) دولةً.

كما يمكن استقراء البُعد الاقتصادي الحقيقي للمبادرة استنادًا إلى أدبيَّات «اقتصاديَّات السياحة» التي تُشير إلى أن مساهمة السياحة عادةً لا تقتصر على الإيرادات التي تُحققها الفنادق أو المطاعم أو شركات النقل، وإنما تمتدُّ عبر سلاسل الإمداد إلى قِطاعات مُتعدِّدة، في حين تُشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن مساهمة قِطاع السياحة في الناتج المحلِّي الإجمالي بلغت (2.9%) في الربع الأول من عام (2026) بالأسعار الجارية، مقارنةً بنحو (2.7%) في عام (2025).

ثَمَّ، إن تحويل الحِرف التقليديَّة المرتبطة ببيئة بهلاء إلى جزء من التجربة السياحيَّة يُمثِّل فرصةً لإنتاج قِيمة مضافة محليَّة؛ كون أن مشروع المبادرة يتضمن حلقات وعروضًا مرتبطةً بالفخار والأعمال الخشبيَّة والمعدنيَّة، وهي أنشطة بقدر ما أنها تحافظ على المهارات التقليديَّة، يمكن أيضًا أن تتحولَ إلى منتجات وتجارب سياحيَّة تدعم الحِرفيين وروَّاد الأعمال والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة.

كما تتَّسع أهميَّة هذا النموذج عندما يكون المُجتمع المحلِّي شريكًا في صناعة المنتج السياحي، خصوصًا وأن السائح المعاصر يبحث بصورة متزايدة عن تجربة أصيلة يتفاعل فيها مع المكان والإنسان والحِرفة، الأمر الذي يمنح المواقع التراثيَّة قدرةً أكبر على توليد الإنفاق المحلِّي، وإطالة مدَّة زيارة السائح، وتنشيط قِطاعات الإيواء والمطاعم والنقل والأسواق والمنتجات الحِرفيَّة.

كما أن مشاركة المتطوِّعين الدوليين تمنح المبادرة بُعدًا ترويجيًّا غير مباشر؛ إذ تتحول التجربة التراثيَّة إلى قناة للتعريف بسلطنة عُمان ومُقوِّماتها الحضاريَّة أمام جمهور دولي؛ حيث تُؤكِّد اليونسكو أن برنامج متطوِّعي التراث العالمي يقوم أصلًا على الجمع بين الشَّباب والمُجتمعات المحليَّة ومديري المواقع في أنشطة عمليَّة للتعريف بالتراث وصونه، وتعزيز مشاركته المُجتمعيَّة.

وبذلك، يمكن النظر إلى «الممتلك الثقافي» بوصفه نموذجًا للاقتصاد السياحي الذي يُعزِّز تمكين المُجتمع المحلِّي في الإسهام في تنويع الدخل وتنشيط السياحة الثقافيَّة.

لذلك، فإن تطوير هذه التجربة وقياس آثارها الاقتصاديَّة بصورة منهجيَّة سيُسهم في أن تصبحَ قابلةً للتعميم على مواقع التراث العالمي الأخرى في سلطنة عُمان، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وهنا تكمن آفاق الاقتصاد السياحي لمبادرة «الممتلك الثقافي» التي يمكنها أن تُعزِّزَ عمليَّة تحوُّل التراث من ذاكرة تحفظ الماضي إلى قِيمة اقتصاديَّة واجتماعيَّة تُسهم في صناعة المستقبل.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»