مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026–2027، وعودة أبنائنا وبناتنا إلى مدارسهم، يتجدد السؤال حول ما نريده حقًّا من المدرسة: هل غايتنا أن نملأ عقول أبنائنا بالمعلومات ونرفع معدلاتهم الدراسية فحسب، أم أن رسالتنا الأعمق هي بناء الإنسان المتوازن، الواثق بنفسه، والآمن نفسيًّا؟
بالأمس كنت أتحدث مع أحد أولياء الأمور الذين درس أبناؤهم في إحدى المدارس التي ترفع شعار «البناء النفسي أولًا»، وسرَّني ما سمعته منه عن أبنائه بعد تخرجهم والتحاقهم بالجامعات والحياة العملية؛ فمنهم من اتجه إلى مجال القضاء، ومنهم من تخصص في التخطيط الاستراتيجي ويعمل في موقع مهم، فيما تخصصت إحدى بناته في الهندسة الكيميائية وحصلت على وظيفة في شركة مرموقة.
كما استطلعت تجارب عدد من الآباء والأمَّهات لمعرفة ما آل إليه أبناؤهم بعد انتهاء دراستهم، فوجدتني أعود إلى سؤال مهم: ما الذي يبقى من المدرسة في شخصية الإنسان بعد أن ينسى الكثير مما حفظه في الكتب والمقررات؟
وهنا تتجلى قيمة الشعار التربوي «البناء النفسي أولًا».
فالمدرسة ليست مكانًا لحشو العقول بالمعلومات، ولا ينبغي أن تختزل رسالتها في الدرجات ونِسَب النجاح والتفوق الدراسي، بل هي بيئة لبناء الإنسان: عقله وروحه ووجدانه ونفسه وشخصيته. فالطالب إنسان متكامل كرمه الله سبحانه وتعالى، وخلقه في أحسن تقويم.
ومن هنا يبدأ البناء النفسي: أن يدخل الطفل مدرسته وهو يشعر بالأمان، فلا يخشى سخرية زميل، أو تنمر طالب، أو إهانة مُعلِّم، أو تقليلًا من شأنه بسبب مستواه الدراسي أو اختلاف قدراته. وأن يدرك أن كرامته مصونة، وشخصيته محترمة، وأن الخطأ فرصة للتعلم وليس مبررًا للإهانة.
البناء النفسي أولًا يعني ألَّا نقارن الطالب بأقرانه بطريقة تحط من قدره، وألَّا نختصر قيمته في درجته، وألَّا نميز بين الطلاب بسبب الذكاء أو الشكل أو اللون أو القبيلة أو البلد أو المكانة الاجتماعية. فالجميع متساوون في الكرامة الإنسانية، والجميع يستحقون الاحترام والرعاية والفرصة.
ومن أكبر الأخطاء التربوية أن نطالب الطالب بالتفوق قبل أن نوفر له الأمان، وأن نطالبه بالإبداع قبل أن نبني ثقته بنفسه، وأن نطالبه بحب المدرسة بينما يعيش فيها الخوف أو المقارنة أو التهميش.
ولهذا أقول: لنبنِ الإنسان قبل أن نملأ الدفاتر. فما قيمة دفتر ممتلئ بالمعلومات إذا كانت نفس صاحبه ممتلئة بالخوف؟ وما قيمة الدرجة العالية إذا كان الطالب فاقدًا للثقة بنفسه؟
إن النجاح الحقيقي للمدرسة لا يقاس بنتائج طلابها في نهاية العام فقط، وإنما بما يصبحون عليه بعد سنوات: كيف يفكرون؟ وكيف يواجهون الحياة؟ وما القيم التي يحملونها؟ وما الأثر الذي يقدمونه لمجتمعهم؟
ومع بداية العام الدراسي 2026–2027، رسالتي إلى كل مدرسة ومُعلِّم وأُسرة: ابنوا الإنسان أولًا؛ احفظوا كرامة الطالب، امنحوه الأمان والحب والتقدير، واكتشفوا قدراته، ولا تجعلوا درجاته مقياسًا لقيمته. فعندما نبني النفس ونوقظ الثقة ونرعى العقل والروح والوجدان، فإننا لا نُعد طالبًا لاختبار نهاية العام فحسب، وإنما نبني إنسانًا للحياة.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية