الأربعاء 30 سبتمبر 2026 م - 18 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

احذروا الركون «1»

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 01:49 م
300


أيها القراء الكرام.. اسمحوا لي أن أصحبكم في رحلة قصيرة مع جانب مهم من حياة كل إنسان ألا وهو (الظُلم)، فإنَّ الكثير منَّا إذا ما ذكرت أمامه كلمة (ظُلم) ربما انهمر في البكاء معاناة منه، بل يمكن أنك قلمَّا تجد من لا يذكر لك إذا سألته أنه ظُلِمَ من كثيرين، وما سأتحدث عنه ليس (الظُلم) في حد ذاته، بل من يساعدون عليه بطرقٍ مختلفة مباشرة كمعرفته والمساعدة فيه والسكوت عليه، أو كاصطناع الأسباب ليقع (الظُلم) على أحدهم، وهؤلاء هم الذين يركنون إلى (الظلم) والظالمين، وهم محل حديثنا.

أيها الأحباب.. لقد وضع الإسلام في منهجه قاعدةً راسخة قوية ألا وهي هذه الآية الكريمة قال تعالى:(وَلَا تَركَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن أَولِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) (هود ـ 113)، فقد رفض الإسلام بهذه الآية الكريمة الميل إلى الظالمين عمومًا، أو الاستناد إليهم بأي صورة، وليس هذا الأمر مجرد توجيه أخلاقي، بل هي حكم شرعي يُحدِّد موقف المؤمن من (الظلم) وأهله، ويبين أن الركون ـ ولو كان يسيرًا ـ يُعرِّض صاحبه للعقوبة الإلهية، فما معنى الكون إذن؟ يقول ابن منظور في لسان العرب (13/‏185):(ركن إلى الشيء: أي مال إليه وسكن، من ركن يركن ركونًا إذا مال إلى الشيء واطمأن إليه، وركن إلى الدنيا إذا مال إليها، والركن: الناحية القوية وما تقوى به من ملك وجند وغيره، وبذلك فُسِّر قوله عز وجل: «فَتَولَّى بِرُكنِهِ»، وأما عن معناه السلوكي

فـ(الركون: هُوَ الْمحبَّة والمودة والميل بِالْقَلْبِ، وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي قَالَ: هُوَ الرِّضَا بأعمالهم، وَعَن السّديّ قَالَ: هُوَ المداهنة مَعَهم، وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: هُوَ طاعتهم) (تفسير السمعاني 2/‏464)، والآية في عموم تفسيرها تنبذ الظلم وأهله ومن يركنه إليهم، في جاء في (تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن 13/‏262):(والخطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومَنْ مَعَه «إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» أي: إلى الذين وُجد منهم الظلم بالجملة «فَتَمَسَّكُمُ» بسبب ذلك «النَّارُ» الأخروية، وإذا كان الركونُ إلى من صدر منهم ظلم مرة في الإفضاء إلى مساس النار هكذا فما ظنك بالركون إلى من صدر منهم الظُلم مرارًا، ورسخوا فيه، ثمَّ بالميل إليهم كلَّ الميل)، يقول الإمام الطبري:(وقد جاء التحذير الإلهي في قوله تعالى: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» (هود: 113)، وهذا الركون ليس مجرد ميلٍ عابر، بل هو انحراف يهدد العقيدة والأخلاق والمجتمع، إذ يعرّض المؤمن لسخط الله وعذابه إن هو مال إلى الظالمين أو استند إليهم ولو باليسير، وقد بيّن أهل العلم أن الركون لغةً هو الميل والسكون والاعتماد، وفي السياق القرآني هو الميل القلبي أو العملي نحو الظالمين، سواء بالموافقة أو المساندة أو التبرير أو السكوت عن ظلمهم، قال ابن زيد: الركون هو الإدهان، أي أن يترك المؤمن الإنكار ويصالح على معصية الله ـ تعالى) (تفسير الطبري، 15/‏ 501)، وأكد الإمام الزمخشري على:(أن النهي متناول حتى الميل اليسير، من مصاحبة الظالمين أو مداهنتهم أو التشبه بهم، بل حتى ذكرهم بما فيه تعظيم لهم، فكيف بالرضا بأعمالهم،، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله تعالى: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله تعالى: «إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» أي: الذين وقع منهم الظُلم، ولم يقل الظالمين، فكيف بالظالم)، وحُكي أن الموفق (أحد خلفاء العباسيين في عهد انحلال الحكم العباسي) صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية، فغشي عليه، فلما آفاق قيل له، هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم!؟.. وللحديث بقية.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]