الاثنين 14 سبتمبر 2026 م - 2 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

التوكيد فـي الجملتين الفعلية والاسمية.. ودوره فـي الأداء القرآني وبلاغته «2»

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 01:48 م
10


.. وعلى الاتجاه الآخر توكيد الجمل الفعلية بالأدوات التي أسلفنا عنها الحديث من قبل، يقول الله تعالى:(وَلَئِنْ سَأَلتَهُم مَن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ الله) هنا اجتمع الشرط والقسم، وجاء الجواب للقسم، ودخلته لام القسم، ونون القسم في (لَيَقُولُنَّ)، ونون التوكيد الثقيلة، فقد أكد القرآن الكريم على الأذن العربية أنها عند سؤالها، لَتَقُولُنَّ إن الذي خلقنا هو الله، لا ينكرون ذلك، ويؤكدونه بكل ألوان التوكيد، وأطيافه، ولكن سلوكهم يختلف عند التطبيق.

ومنه أنه عندما قالت امرأة العزيز مهددة سيدنا يوسف أمام النسوة قائلة:(وَلَئِنْ لَم يَفعَل مَا آمُرُه لَيَسجُنَّنَ، وَلَيَكُونَنْ مِن الصَّاغِرين)، فهي بكل جرأة تهدده أن يفعل فيها الفاحشة أمام النسوة، واستعملت كل ألوان التوكيد التي تحمل التهديد والوعيد؛ حيث اجتمع الشرط والقسم، وتقدم القسم، فالجواب هنا للمتقدم، وهو القسم، فهنا قسم، وشرط، واللام الواقعة في جواب القسم ونون التوكيد المشددة للمضارع(لَيَسجُنَنَّ)، و(لَيَكُونَنْ) فشددت في السجن(كأنها تقول للقاضي اسجنه ولا تقتله؛ لتراه دوما بين يديها عندما تريد رؤيته)، ولكنها خففت في الصغار؛ لأنها متأكدة أنها هي الصاغرة وليس هو؛ لأنها التي تطلبه، وغلقت الأبواب، واستعدت له بكل ألوان الاستعداد، فهي الصاغرة، وليس هو، فهي التي فعلت الأفاعيل حتى ترضيه، وقامت بكل ألوان الإغراء، لكنها وجدت رجلًا امتلك نفسه، وإرادته، ووقف شامخًا ضد الفاحشة، ودفعها بكل ألوان الدفع وظلَّ عزيزًا على ربه؛ حتى تجاوز تلك الفتنة الصعبة، ولكن الله حماه، وأخذه إلى ظله، وجنابه، وخرج من تلك المحنة مرفوع الرأس، كريمًا عليها وعلى ربه، وعلى نفسه، وعلى الناس جميعها؛ مما اضطرها في نهاية الأمر بالإقرار، الاعتراف.

ومنه قوله تعالى:(وَلَئِنْ سَأَلتَهُم لَيَقُولَنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلعَبْ)، هنا استعمل أسلوب اجتماع الشرط والقسم، وقدم القسم، فالجواب للقسم، وجاء مصدرًا بلام القسم، والفعل المضارع المؤكد بنون التوكيد الثقيلة، فهو يثبت قولهم الساقط أنهم يقولون (إنما كنا نخوض ونلعب)، وآيات الله لا خوض فيها، ولا لعب؛ ومن ثم استحقوا أن تكون نهايتهم وخيمة، عاقبتهم سيئة:(قُلْ أَبِاللهِ، وآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُم تَستَهزِئونْ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرتُم بَعدَ إِيمَانَكُم)، وقد أكد استهزاءهم بهذا اللون من التأكيد، وبين أنهم لا يقيمون لأحكام الله وزنًا، فكانت نهايتهم أنهم كفروا بربهم، وأن إيمانهم لم يعتد به.

ومنه قوله تعالى:(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا)، ففي تلك الآية جاءت الجملة الفعلية مؤكدة بالمفعول المطلق المؤكد للفعل، وتأكد لدى الجميع أن الله تعالى أنه بعد النفخ في الصور سيجمع الله الخلق جميعًا جمعًا مُحققًّا مؤكدًا، وسيجمع الخلق كلهم من لدن آدم حتى قيام الساعة في عرصات يوم القيامة، فهم من كل حدب ينسلون، وستعرض عليهم جميعًا جهنم عرضًا واضحًا بيِّنًا واقعًا مُحقِّقًا، وذلك جعل الكثير من الناس ممن يعرفون العربية جيدًا يسارعون في الإيمان والاعتقاد في حصول اليوم الآخر، والجمع والعرض الحقيقي لجهنم على الناس كلهم، لا يشذ منهم أحد، ولا يخرج عن ذلك التهديد أي إنسان مهما كان غناه، أو عزوته، أو مكانته الدنيوية، ومهما كان عنده من أولاد، وأحفاد، فذلك كله لا وزن له.

ونختم أخيرًا بهذا الشاهد القرآني القائل:(وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا)، وهنا أكدت الجملة الفعلية بالمفعول المطلق، أو النائب عنه، والأصل أن يقول:(وكذبوا بآياتنا تكذيبًا)، فإن مصدر الفعل الرباعي الذي على وزن (فَعَّلَ) هو التفعيل، نحو:(وكلَّم الله موسى تكليمًا)، ولكنه هنا عمد إلى (كذّابًا) بدل (تكذيبًا) لأمور، منها أن اللفظة مسوقة لبيان شدة الكذب، فجاءت على غير قياسها كأنها تكذب وتعري كذبهم، فالسياق لفظا يتساوق دلالة ومعنى، كما أنه يبين المبالغة في الكذب، والإمعان في عدم الصدق، وكل ذلك أحصاها الله مكتوبًا، ومسجّلًا عليهم.

هكذا بدا التوكيد مُرسِّخًا لمعناه، ومُعمِّقًا أثره في نفوس الذي يقرؤون القرآن، ويعلمون طبيعة التوكيدات في اللغة العربية، وغير القرآن قيم العرب، وعدلها، وبصرهم بقيم كثيرة، وأحكام عديدة، وجعل أوضاعهم سامية، وأخلاقهم زاكية، وجعل المجتمع العربي أفضل المجتمعات نضجًا عقديًّا، وفهمًا لمتطلبات الشرع الحكيم، ولكن كثيرًا منهم تَفَلَّتَ، ولم يلتزم بأحكام الله، وقيم الدين؛ ولذلك جاء الشرع لكي يحميَ المجتمعات المسلمة من مثالبِ المجتمعات الأخرى بفضل الله تعالى، وجاءت تلك التوكيدات؛ لتؤكد تلك الدلالات، وتعمق هذه القيم والأخلاقيات.

د.جمال عبدالعزيز أحمد

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]