أصبحت أزمة مضيق هرمز اختبارًا حقيقيًّا للإرادة الدوليَّة والأطراف المعنيَّة؛ للوصول إلى تسوية تحفظ أمن الملاحة، وتمنع تحويل واحد من أهم الممرَّات البحريَّة في العالم إلى ساحة للصراع. وقد تضرَّر جرَّاء هذه الأزمة العالم بأسْره، في حين أن الأمور ـ بالمنطق السياسي ـ يُفترض أنها قد حُسمت بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المُتَّحدة الأميركيَّة في العاصمة الباكستانيَّة إسلام آباد. فمَن يتحمل مسؤوليَّة استمرار الأزمة؟!
الجهود التي بُذلت من قِبل الوسطاء خلال المواجهة العسكريَّة، والمفاوضات الجادَّة التي جرت قبل أسابيع بين سلطنة عُمان وجمهوريَّة إيران الإسلاميَّة للتوصل إلى صيغة مناسبة للعبور الآمن في مضيق هرمز، والتي أفضت إلى تصوُّر يقوم على إنشاء ممرٍّ ملاحي مؤقت يسمح باستئناف العبور الآمن، بالتزامن مع إزالة العوائق الفنيَّة والألغام، وآليَّة مستقبليَّة لإدارة الملاحة وتبادل المعلومات وإدارة حركة السفن وتوفير الخدمات الملاحيَّة والأمنيَّة، وقد وردت بصورة واضحة في البيان المشترك العُماني ـ الإيراني عقب زيارة معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة العُماني إلى طهران في (25) أغسطس الماضي؛ حيث أكَّد البلدان أن الإطار المقترح يمكن أن يُشكِّل أساسًا عمليًّا وقابلًا للتنفيذ لاستئناف الملاحة الآمنة، وصولًا إلى ترتيبات دائمة. ويجدر الإشارة هنا إلى أن الرؤية العُمانيَّة انطلقت من معادلة تقوم على احترام سيادة الدول الساحليَّة وحقوقها، والالتزام بالقانون الدولي، والحفاظ، في الوقت ذاته، على حُريَّة الملاحة وأمنها، وهذا يتَّسق مع ما أكدته مسقط وطهران في يونيو الماضي من التزامهما بسلامة العبور عبر مضيق هرمز وفق القانون الدولي، والاتفاق على مواصلة العمل من خلال لجنة مشتركة لبحث مستقبل إدارة الملاحة والخدمات البحريَّة والتكاليف المرتبطة بها، بالتشاور مع دول المنطقة والأطراف ذات الصِّلة.
اليوم، السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كان المسار العُماني ـ الإيراني قد أنتج رؤية عمليَّة للعبور، فمَن يتحمل مسؤوليَّة تعطيل الحل؟! هنا تبرز أهميَّة العودة إلى مذكرة التفاهم الأميركيَّة ـ الإيرانيَّة، التي تضمنت، في البند الخامس، ترتيبات المرور الآمن للسفن التجاريَّة دون رسوم لمدَّة ستين يومًا، مع بدء استعادة حركة الملاحة تدريجيًّا، وإجراء حوار بين إيران وسلطنة عُمان بشأن الإدارة المستقبليَّة للمضيق والخدمات البحريَّة، وبالتشاور مع دول الخليج الساحليَّة. وعلى ذلك، فإن تعطيل تنفيذ بنود مذكرة التفاهم يمكن النظر إليه باعتباره المسؤول عن استمرار الأزمة. هنا تبرز مسؤوليَّة الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة من خلال تعطيل تنفيذ بعض بنود المذكرة، وأهمها البند الرابع الذي ينصُّ على رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانيَّة، في حين أن البند الخامس لم يجعل فتح الملاحة التزامًا إيرانيًّا منفصلًا عن الالتزام بتنفيذ بقيَّة البنود الأخرى، بل جاء ضمن حزمة متصلة، أهمها إزالة الحصار البحري الأميركي. كما أن البند العاشر يُؤكِّد رفع القيود المرتبطة بالنفط والنقل والتأمين والخدمات المصرفيَّة؛ وبالتَّالي فإن استمرار القيود الاقتصاديَّة والبحريَّة يجعل استعادة حركة التجارة والنقل البحري أمرًا بالغ الصعوبة حتى لو توافر ممرٌّ ملاحي آمن. أمَّا البند الحادي عشر فينصُّ على إتاحة الأصول والأموال الإيرانيَّة المجمَّدة، وهنا تتعهد الولايات المُتَّحدة بإتاحة الأموال والأصول الإيرانيَّة المجمدة، وإصدار التراخيص والتصاريح اللازمة لذلك، لكن ـ للأسف ـ فإن هذه البنود وجدت مماطلة من قِبل الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة، في حين تبقى المفارقة الأبرز هنا أن المفاوضات بين سلطنة عُمان وإيران نجحت في الاقتراب من صيغة عمليَّة لاستعادة الملاحة عبر ممرٍّ مؤقت قابل للتحوُّل إلى ترتيبات دائمة، إلَّا أن العقبة الأساسيَّة بقيت في عدم رفع الحصار البحري الأميركي وفقًا للبند الرابع من مذكرة التفاهم، الأمر الذي أبقى الوضع معطلًا أمام حركة الملاحة بصورة طبيعيَّة. وهنا ينبغي التأكيد على أهميَّة احترام الالتزامات التي تُشكِّل أساس التفاهمات بين الدول؛ لأنها تُمثِّل أحد الأُطر الرئيسة للقانون الدولي، وبالتَّالي فإن بقاء مضيق هرمز في حالة اضطراب لا يخدم أيَّ دولة، بل يؤدي إلى مزيدٍ من الضرر على الاقتصاد العالمي. كما أن دول الخليج تجد نفسها أمام تكاليف اقتصاديَّة وأمنيَّة متزايدة؛ فكلَّما طال أمد الأزمة ازدادت الحاجة إلى طُرق بديلة للطاقة والتجارة، وارتفعت كلفة النقل والتأمين، وأصبح أمن الملاحة مرتبطًا بحالة التوتر في المنطقة.
معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة العُماني عبَّر في أكثر من مناسبة عن القواعد السياسيَّة التي تَبْني عليها سلطنة عُمان رؤيتها، خصوصًا حديثه عن ضرورة استعادة الملاحة الآمنة والوصول إلى ترتيبات عمليَّة تضمن الانتقال من الحل المؤقت إلى حل دائم يحفظ الاستقرار وحُريَّة الملاحة. ولعلَّ المقالات والرسائل السياسيَّة التي يوجهها معالي السَّيد وزير الخارجيَّة في هذا الصَّدد تبرز العمق الدبلوماسي العُماني؛ حيث لا يمكن معالجة أزمة هرمز بالتصعيد والتهديدات، ولا يمكن ضمان أمن الملاحة من خلال فرض الأمر الواقع، وإنما عبر التفاهمات والضمانات التي تراعي مصالح جميع الأطراف. وهنا، فإن سلطنة عُمان ـ بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف أطراف الأزمة ـ تمارس دورها الحضاري المسؤول الذي يتناسب مع تاريخها السياسي في المنطقة، لذا جاء الخطاب العُماني واضحًا ومتزنًا وشجاعًا، وهذه الجهود العُمانيَّة تستحق كل الدعم الإقليمي والدولي، لا سِيَّما من قِبل الدول التي تعتمد مصالحها التجاريَّة على استقرار هذا الممرِّ الحيوي.
لا شك أن المُجتمع الدولي بحاجة إلى تقديم مثل هذه القِيَم البناءة والمفاهيم العميقة، وترسيخ مبادئ السَّلام والأمن والاستقرار العالمي، رغم اعتماد أسلوب فرض الأمر الواقع، ومحاولات نسف تلك المبادئ البناءة التي قام عليها القانون الدولي. فما أحوج العالم اليوم إلى أن ينحو نحو تحقيق العدالة الدوليَّة، والسَّير نحو السَّلام، وتغليب منطق الحوار على منطق التصعيد، وهو ما يعني انتصارًا للقانون الدولي على سياسة الأمر الواقع.
خميس بن عبيد القطيطي